-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من ضغوط العولمة إلى مقولة لابن باديس

حمزة يدوغي
  • 1518
  • 4
من ضغوط العولمة إلى مقولة لابن باديس

إن الوصف الشائع “المستهلك” الذي أصبحت تردده ألسنة الخاصة والعامة، بخصوص عالمنا اليوم، أنه “قرية إلكترونية”، مع تفاوت كبير في درجة الوعي بمختلف أبعاد هذا الوصف ودلالاته؛ لكن الكل يعلم أنه لم يعد “للمسافة الجغرافية” مدلولها القديم، فأي شيء يحدث على الكرة الأرضية يطلع عليه الإنسان في حينه وهو في أقصى بقعة تقابلها.. فالعالم اليوم “شبكة” معقدة متلاحمة من المصالح والمعاملات، كل شيء فيه مطبوع بطابع المصلحة، ولا يوجد فيه شيء حيادي مجرد من كل خلفية أو هدف، فالأفكار والقيم أصبحت تُصدّر مع البضاعة والتقنية، بعد أن اختلت الموازين التقليدية واضطربت المقاييس، بفعل السرعة التي صارت هي السمة الكبرى المميزة لهذا العالم، بالنظر إلى كثافة أحداثه وتطورها المذهل وقوة تأثيرها وسرعة امتداده..

ويحضرني هنا مثال أراه معبرا عن جانب من جوانب هذه الحقيقة، عقد وزراء الثقافة العرب مؤتمرا في تونس سنة 1994، درسوا فيه موضوعالثقافة والتنمية؛ وعملا بما جرت به العادة في مثل هذه المؤتمرات، فقد فكر السادة الوزراء في الموضوع الذي سيتمخض لدراسته مؤتمرهم القادم فاقترح بعضهم أن يكون هذا الموضوع هوظاهرة العولمة، ولكنهم بعد تفكير وتشاور أجمعوا على رفضه لأنهم رأوا أن هذا المصطلحجديد غامضلم تضبط بعد دلالاته وأبعاده.. واليوم، بعد عقدين من الزمن فقط يصبح هذا المصطلحكما نعلم جميعاأكثر المصطلحات إثارة وشيوعا وامتدادا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية بشكل عام، فقد وضعت فيه بحوث ودراسات وألفت فيه كتب وعقدت له ملتقيات، تؤكد كلها أنالعولمةظاهرة حضارية عالمية معقدة لا مجال لإنكارها أو تجاهل ضغوطها؛ بل إن هذا المصطلح، من فرط تداوله وتوظيفه، عن وعي وعن غير وعي، يكاديفرغمن محتواه الحقيقي وتغيب معه معاني التفاعل الإيجابي والتفتح السليم على الغير والفائدة المرجوة من كل ذلك.

كما أنه كاد يغطي على مصطلحالغزو الثقافيالذي يبدو اليوم زمام هذه الظاهرة تقليديا محدودا في أبعاده ومجالات تأثيره ومهما يكن من أمرالعولمة أوالغزو الثقافيفإن المسألة بالنسبة للمسلم بشكل خاص تظل مرتبطة في ذهنه بالمخططات الغربية التي تستهدف الإسلام بالدرجة الأولى في محاولات دائبة لتشويه حقيقته وصورته بأساليب مختلفة متجددة، فكلماافتضحمنها أسلوب برز أسلوب.. من ذلك مثلا تضخيم النتائج السلبية للتطور التكنولوجي وتأثيره السيء في الدين والأخلاق والفن، والتظاهر بالحنين إلىروحانية الشرقالتي لا يمكن المحافظة عليها إلا بالترفع عن المادة..

فالغرب الحريص على هيمنته الحضارية يعلم أن المجتمعات الحديثةالمتخلفةإذا كانت تسعى إلى امتلاك أسباب قوته وتقدمه فليس ذلك ولعا منها بتقليده أو الذوبان في كيانه، وإنما تفعل ذلك لضمان مواجهة حضارية فعالة تحفظ لها كيانها الخاص وهي تصارع من أجل النهوض وتحقيق الذات..

ويبقىمع حقيقة ذلك كلهأن العولمة ظاهرة حضارية عالمية تعاني ضغوطها وتأثيراتها حتى المجتمعات المتقدمة نفسها في مجالات عديدة، لعل أخطرها تلك التي تبدو مجردة من أيخلفية عقيدية أو فلسفية، قال الدكتور جي بي كانط الأمريكي في كتابهالتعليم والحرية“: “إن عملية التعليم ليست عملية تعاط وبيع وشراء وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من تاريخنا خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم إلى بلادنا“.

ويقول العالم الروسي جوفرنيإن العلم الروسي ليس قسما من أقسام العلم العالمي يشتغل في البلاد الروسية، بل إنه قسم منفصل قائم بذاته يختلف عن سائر الأقسام كل الاختلاف، إن سمعة العلم الروسي أنه قائم على فلسفة المادية، وإنا نريد أن نخوض معترك العلم الطبيعيوبين أيدينا هذه الفلسفةونصارع جميع التصورات الأجنبية التي تناقض هذه الفلسفة بعزم وقوة.

إن التركيز على مقومات الشخصية أمر تحرص عليه إذن جميع الأمم، لاعتقاد كل منها بأن نظام حياتها هو الأقوم وأن فلسفتها في الحياة هي المثلى وأنها مؤهلة أكثر من غيرهاللريادة الحضارية“.

فهذان الموقفان، بالرغم من تمايزهما من حيث الانتماءالايديولوجيمتفقان على أن العلوم والمعارف ونظريات التعليمأداة وفية لإرساخ العقيدة وتشكيل نظرة الأمة إلى الكون والإنسان والحياة.

وهذا المعنى هو الذي نبه إليه الإمام عبد الحميد بن باديس في وقت مبكر عندما قال: “لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم، ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه، فقد صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أنه قالإنما بعثت معلما“!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • أحمد عليان

    لا أدري ما اذا كان الأخ السلفي معلقا على تعليقي أعلاه .. و مع ذلك قدرت من غير حجاج مذهبي أن مضمون تعليقه مشبع بجاهزية تصنيف المختلفين في الرأي الذي أعتبره واحدا من عوامل عقم النقاش التوعوي .. فاللاهم هداك .

  • عبد الحميد السلفي

    أقبل على النفس واستكمل فضائلها ** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
    هذا بيت من قصيدة أدعوك إلى قراءتها بتمامها فعساها أن تبصرك .
    لا إختلاف أن إسهامات البشرية منذ الرجل العاقل الأول تصب في تحقيق المنفعة والمصلحة الراجحة الدنيوية مع إختلاف في التقديم والتأخير ،وهذا لا ضير في التسابق عليه والتبادل المعرفي حول محوره والموفق من وفقه الله.لكن النظرة المادية قد جعلت الفرد منفصل عن جوهر وجوده في هذا الكون فقدمت المادة وأنكرت الروح وأقحمتنا في الدهرية العقيمة المتنكرة للخالق الودودسبحانه وتعالى، فاللهم هداك.

  • أحمد عليان

    ما أبعدنا عن التكيف بالموجود من مكتسبات العصر فضلا عن المشاركة في انتاجها . أما ابداعها و التفرد بالريادة في مضمارها فهوس و اضغاث أحلام ما دمنا ندعي امتلاك النموذج التام المطلق بالوراثة .

  • عبد الحميد السلفي

    السلام عليكم.
    لقد قلتم:لاعتقاد كل منها بأن نظام حياتها هو الأقوم وأن فلسفتها في الحياة هي المثلى وأنها مؤهلة أكثر من غيرها "للريادة الحضارية".
    لكنني أذكركم بكلام خالق السماوات والأرض ومدبر الأمور فيها إذ سبحانه هو الرب في عليائه وهو رب كل شيء ومليكه .يقول وعزّ من قائل : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ.
    ما من شأن إلا ومصيره إلى السيرورة الحتمية للإستقرار- تحقيق لا إلاه إلا الله-فهلاّ لحقنا بالركب؟