من ضغوط العولمة إلى مقولة لابن باديس
إن الوصف الشائع “المستهلك” الذي أصبحت تردده ألسنة الخاصة والعامة، بخصوص عالمنا اليوم، أنه “قرية إلكترونية”، مع تفاوت كبير في درجة الوعي بمختلف أبعاد هذا الوصف ودلالاته؛ لكن الكل يعلم أنه لم يعد “للمسافة الجغرافية” مدلولها القديم، فأي شيء يحدث على الكرة الأرضية يطلع عليه الإنسان في حينه وهو في أقصى بقعة تقابلها.. فالعالم اليوم “شبكة” معقدة متلاحمة من المصالح والمعاملات، كل شيء فيه مطبوع بطابع المصلحة، ولا يوجد فيه شيء حيادي مجرد من كل خلفية أو هدف، فالأفكار والقيم أصبحت تُصدّر مع البضاعة والتقنية، بعد أن اختلت الموازين التقليدية واضطربت المقاييس، بفعل السرعة التي صارت هي السمة الكبرى المميزة لهذا العالم، بالنظر إلى كثافة أحداثه وتطورها المذهل وقوة تأثيرها وسرعة امتداده..
ويحضرني هنا مثال أراه معبرا عن جانب من جوانب هذه الحقيقة، عقد وزراء الثقافة العرب مؤتمرا في تونس سنة 1994، درسوا فيه موضوع “الثقافة والتنمية“؛ وعملا بما جرت به العادة في مثل هذه المؤتمرات، فقد فكر السادة الوزراء في الموضوع الذي سيتمخض لدراسته مؤتمرهم القادم فاقترح بعضهم أن يكون هذا الموضوع هو “ظاهرة العولمة“، ولكنهم بعد تفكير وتشاور أجمعوا على رفضه لأنهم رأوا أن هذا المصطلح “جديد غامض” لم تضبط بعد دلالاته وأبعاده.. واليوم، بعد عقدين من الزمن فقط يصبح هذا المصطلح – كما نعلم جميعا – أكثر المصطلحات إثارة وشيوعا وامتدادا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية بشكل عام، فقد وضعت فيه بحوث ودراسات وألفت فيه كتب وعقدت له ملتقيات، تؤكد كلها أن “العولمة” ظاهرة حضارية عالمية معقدة لا مجال لإنكارها أو تجاهل ضغوطها؛ بل إن هذا المصطلح، من فرط تداوله وتوظيفه، عن وعي وعن غير وعي، يكاد “يفرغ” من محتواه الحقيقي وتغيب معه معاني التفاعل الإيجابي والتفتح السليم على الغير والفائدة المرجوة من كل ذلك.
كما أنه كاد يغطي على مصطلح “الغزو الثقافي” الذي يبدو اليوم زمام هذه الظاهرة تقليديا محدودا في أبعاده ومجالات تأثيره ومهما يكن من أمر “العولمة أو “الغزو الثقافي” فإن المسألة بالنسبة للمسلم بشكل خاص تظل مرتبطة في ذهنه بالمخططات الغربية التي تستهدف الإسلام بالدرجة الأولى في محاولات دائبة لتشويه حقيقته وصورته بأساليب مختلفة متجددة، فكلما “افتضح” منها أسلوب برز أسلوب.. من ذلك مثلا تضخيم النتائج السلبية للتطور التكنولوجي وتأثيره السيء في الدين والأخلاق والفن، والتظاهر بالحنين إلى “روحانية الشرق” التي لا يمكن المحافظة عليها إلا بالترفع عن المادة..
فالغرب الحريص على هيمنته الحضارية يعلم أن المجتمعات الحديثة “المتخلفة” إذا كانت تسعى إلى امتلاك أسباب قوته وتقدمه فليس ذلك ولعا منها بتقليده أو الذوبان في كيانه، وإنما تفعل ذلك لضمان مواجهة حضارية فعالة تحفظ لها كيانها الخاص وهي تصارع من أجل النهوض وتحقيق الذات..
ويبقى – مع حقيقة ذلك كله– أن العولمة ظاهرة حضارية عالمية تعاني ضغوطها وتأثيراتها حتى المجتمعات المتقدمة نفسها في مجالات عديدة، لعل أخطرها تلك التي تبدو مجردة من أي “خلفية عقيدية أو فلسفية“، قال الدكتور جي بي كانط الأمريكي في كتابه “التعليم والحرية“: “إن عملية التعليم ليست عملية تعاط وبيع وشراء وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من تاريخنا خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم إلى بلادنا“.
ويقول العالم الروسي جوفرني “إن العلم الروسي ليس قسما من أقسام العلم العالمي يشتغل في البلاد الروسية، بل إنه قسم منفصل قائم بذاته يختلف عن سائر الأقسام كل الاختلاف، إن سمعة العلم الروسي أنه قائم على فلسفة المادية، وإنا نريد أن نخوض معترك العلم الطبيعي – وبين أيدينا هذه الفلسفة – ونصارع جميع التصورات الأجنبية التي تناقض هذه الفلسفة بعزم وقوة.
إن التركيز على مقومات الشخصية أمر تحرص عليه إذن جميع الأمم، لاعتقاد كل منها بأن نظام حياتها هو الأقوم وأن فلسفتها في الحياة هي المثلى وأنها مؤهلة أكثر من غيرها “للريادة الحضارية“.
فهذان الموقفان، بالرغم من تمايزهما من حيث الانتماء “الايديولوجي” متفقان على أن العلوم والمعارف و“نظريات التعليم” أداة وفية لإرساخ العقيدة وتشكيل نظرة الأمة إلى الكون والإنسان والحياة.
وهذا المعنى هو الذي نبه إليه الإمام عبد الحميد بن باديس في وقت مبكر عندما قال: “لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم، ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه، فقد صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أنه قال “إنما بعثت معلما“!