من للإعجاز بعد رحيل زغلول النجار؟
“كل نفس ضائقة الموت” (آل عمران 185)، فالموت لا يخطئ أحدا سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا، هو النهاية التي ينتهي إليها كل حي. الموت مصيرُ كل حي ولكن الموتى صنفان: صنف يموت روحا وذِكرا لأنه لا يُعرف بشيء يُذكر به بين الناس، وصنف يموت روحا ويبقى ذِكرا لأنه خلّف علما أو أثرا حسنا يُذكر به بين الناس، وأحسب أستاذنا الدكتور زغلول النجار رحمه الله من هذا الصنف.
نذر الدكتور النجار حياته للإسلام، ينافح عنه في كل ناد ويذبُّ عنه ضد كل حاقد. رجل فقه قوله تعالى: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين” (النحل 125). رجل جمع بين أخلاق الداعية المتبصر وصفات العالم المتبحر، فيكفيه شرفا أنه خلّف جيلا من الطلاب والمحبين الذين نهلوا من علمه وساحوا وانتشروا في مشارق الأرض ومغاربها.
بدأ الدكتور النجار مسيرته الدعوية من مصر ثم تفتّح على الدنيا حاضرا ومحاضرا في أكبر المؤتمرات العلمية التي تهتم بعلم الجيولوجيا على وجه الخصوص الذي هو ميدانه الذي أبدع فيه أيما إبداع وأمتع به أيما إمتاع بأسلوب شيق تنجذب إليه الأسماع ويترك في نفس السامع أثرا كبيرا يجعله يحب الرجل رغم أنفه في بعض الأحيان، ففي كلام العلماء جاذبية لا توجد عند غيرهم، كانت نفوسنا تهفو شوقا إلى حضور ندواته هنا في الجزائر وفي أرض الكنانة وفي كل مكان بل كنا في بعض الأحيان نكيف ونرتب سفرياتنا إلى أوروبا لتتزامن مع وجوده لا لشيء إلا لأننا لا نملُّ من الاستماع إليه وهو يصول ويجول ويبدع ويمتع في مسائل الإعجاز في القرآن والسنة.
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة هو الميدان الذي آثره زغلول النجار وأبدع فيه وحفَّز الباحثين العرب والمسلمين على اقتحامه، ولكنه أوصى أن يتصدى لهذا العلم العارفون بشأنه، المحيطون بمسائله وهذه وصيته: “أما الإعجاز ُالعلمي للآيات الكونية فلا يجوز أن يوظَّف فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية، ولابدّ للتعرض لقضايا الإعجاز من قبل المتخصصين كل في حقل تخصصه”.
ليس هناك حاجة للتعريف بسيرة أستاذنا النجار فالمعروف لا يعرَّف، هي سيرة يعرفها العامّ والخاص، القاصي والداني، العربي والأعجمي. سيرة أجمل ما فيها أنه كان لا يضيق صدره من نقد، يعامل الجميع بخلق عال وأدب جمّ حتى ولو أساء جليسه الأدب، متأسيا بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي مدحه ربه بقوله: “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” (آل عمران 159).
بعض إخواننا هداهم الله لا يقتدون بأحد سوى شيوخهم بل منهم من يشنِّع على بعض العلماء والدعاة مناظرتهم لغير المسلمين، ويصنِّفونهم في خانة المبتدعين، وقد عانينا نحن في مقارنة الأديان من هذا الصنف المتعالم من أصحاب أنصاف الآيات وأنصاف الأحاديث أكثر مما عانينا من غير المسلمين، ولكن هذا لم يثننا عن أداء رسالتنا دفاعا عن الكتاب والسنة بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد خلّفنا -و لله الحمد- أجيالا لإكمال المسيرة وإتمام الرسالة. أقول هذا لأن أستاذنا زغلول النجار رحمه الله وهو من هو في علمه وعلوّ كعبه عانى من هذه الفئة المتعالمة التي تصفه أحيانا بتأويل القرآن على غير هدى واقتحام ميدان الفتوى على غير علم وإسقاط النظريات العلمية الظنية على النصوص القرآنية القطعية. كان زغلول النجار رحمه الله يواجههم بالحجة ويوجِّههم إلى السنة ويحيلهم على كثير من نصوص القرآن التي تتحدث عن آيات كونية لا قبل لهم ولشيوخهم بتفسيرها وبيانها، فماذا عسى هؤلاء وشيوخهم أن يقولوا بشأن قوله تعالى: “ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود” (فاطر 27)، وما عسى هؤلاء وشيوخهم أن يقولوا بشأن قوله تعالى: “أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون” (الواقعة 68). وهناك آيات كونية كثيرة لا قِبل لهؤلاء ولشيوخهم بتفسيرها وإذا فعلوا فسيفسِّرونها تفسيرا ظاهرا لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يقف على دلائل الإعجاز التي تتضمّنها، فوحدهم العلماء من شاكلة زغلول النجار من يجلي هذا ويبيِّنه لما حباه له من بصيرة متقدة ونظرة ثاقبة وباع طويل في علم الجيولوجيا الذي خدم به كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سببا في اعتناق كثيرين للإسلام، فهل يستوي هو ومن لا فقه لهم بآيات الكتاب ناهيك عن الآيات الكونية التي هم أعجز عن استيعاب نفائسها ودررها؟
لزغلول النجار رحمه الله نظرة آسرة، ثاقبة جاذبة في تفسير الآيات الكونية، فقد بهر بأسلوبه علماء غربيين كبارا في علم الجيولوجيا وناظر بعضهم فأقنعهم وأفحمهم، فأين شانئوه من سعة علمه؟ وأين هم مما قدَّمه للقرآن والسنة في محافل عالمية، انتصر فيها بعضهم للباطل ولنظريات يغلب عليها الشك والبطلان وانتصر هو لكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولسنة نبي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟.
مات زغلول النجار رحمه الله وقد ترك تراثا علميا ضخما في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يمثل معينا ومرجعا لكل المهتمين بهذا العلم. وقد ظل إلى آخر رمق يكتب ويحاضر ويوجّه، فمن يحمل المشعل من بعده ومن يسد هذه الثلمة، ومن يخلفه في الانتصار لنصوص القرآن والسنة؟ زغلول النجار رحمه الله عالم لامع ونجم ساطع، تعرفه الجامعات المصرية والجزائرية والسعودية والكويتية والقطرية وجامعاتٌ كثيرة في العالم. عالم كان لا ينزل من طائرة حتى يستقلّ أخرى لأنه كان أكثر طلبا من مراكز البحث في القارات الخمس. عالم نشر له المتحف البريطاني الملكي عددا تذكاريا مكونا من ستمائة صفحة، جمع أبحاثه المتميزة التي راقت للغرب قبل العرب بل تبنَّاها الغربيون وزهد فيه بعض العرب والمسلمين في مفارقة لا نملك أمامها إلا الأسى من الوضع الذي آل إليه العلم في أمة “اقرأ”، الأمة التي كانت سباقة إلى الحضارة ثم هجرتها إلى غيرها، وضع يذكرنا بمقولة: “لا كرامة لنبي في وطنه” ويمكننا القول قياسا على ذلك: “لا كرامة لعالم في وطنه”، وأقصد بالوطن هنا الوطن العربي والإسلامي الكبير الذي جعل العلم من نافلة القول ورضي أن يستورد الأفكار كما يستورد الخضر وقطع الغيار مع بعض الاستثناءات التي نتمنى أن تطغى وتغطي على المشهد البائس الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية.
ساهمت بحوث زغلول النجار رحمه الله حول طبقات الأرض في التنمية في المنطقة العربية لأنها قدَّمت خريطة طوبوغرافية استكشافية لأنواع الموارد والثروات الباطنية التي تزخر بها الأرض العربية مما يشكل جهدا علميا ينبغي تثمينه والاستفادة منه في التنمية الشاملة التي تنشدها الدول العربية. ورسم النجار خريطة جيولوجية لقاع بحر الشمال التي أخشى أن يكون غيرُنا قد افتكها وانفرد بها ليُبقي على تبعيتنا له وليحاربنا بجهود علمائنا.
إن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة هو الميدان الذي آثره زغلول النجار وأبدع فيه وحفَّز الباحثين العرب والمسلمين على اقتحامه، ولكنه أوصى أن يتصدى لهذا العلم العارفون بشأنه، المحيطون بمسائله وهذه وصيته: “أما الإعجاز ُالعلمي للآيات الكونية فلا يجوز أن يوظَّف فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية، ولابدّ للتعرض لقضايا الإعجاز من قبل المتخصصين كل في حقل تخصصه”. للأسف، هناك فئة عاجزة، استثناها زغلول النجار رحمه الله من الخوض في مسائل الإعجاز، قد تسوّرت المحراب واختطفت هذا العلم واحتكرته وليتها فعلت ذلك عن علم وانتدبت العالمين، بل إنها جلبت الفاشلين والجاهلين فأصبحوا يتصدّرون مجالس الإعجاز ويتحدثون فيما ليس لهم به علمٌ وصدق الله إذ يقول: “ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” (الإسراء 36).
رحم الله شيخنا زغلول النجار وجعل ما قدَّمه للإسلام والمسلمين في ميزان حسناته يوم القيامة وقيَّض الله لهذه الأمة من يخلفه ويكمل مسيرته ويفري فريه. أختم هذا المقال بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الصدور ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”.