-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من مكتبة الإسكندرية إلى عصر النهضة: قصة الإنقاذ الإسلامي للمعرفة

من مكتبة الإسكندرية إلى عصر النهضة: قصة الإنقاذ الإسلامي للمعرفة
المفكر الأمريكي "روي كاساغراندا"

نشر موقع الجزيرة نت يوم 15 سبتمبر 2025 حوارا مطولا أجراه الدكتور عثمان أمكور مع المفكر الأمريكي “روي كاساغراندا”، الذي اشتهر بقراءته المتعددة الأبعاد للتاريخ والحضارات، حيث برزت فكرة مركزية مفادها أن الحضارة الإسلامية لم تكن مجرد مرحلة عابرة في سجل البشرية، ولكنها مثلت حلقة جوهرية في حفظ المعرفة الإنسانية، وصياغة المسار الذي قاد إلى ميلاد الغرب الحديث.

يستند “كاساغراندا” إلى رؤية ابن خلدون في دورات صعود الأمم وسقوطها، لكنه لا يتعامل معها كحتمية قدرية بقدر ما يقرأها بوصفها آلية يمكن فهمها وتحليل أسبابها، وفي هذا الإطار، يرى أن العالم العربي والإسلامي يمرّ اليوم بمرحلة تراجع، نتيجة ما يسميه “تخمة الثراء” التي تولّد الكسل، و”المحافظة” التي تكبح الابتكار، وهي الأعراض نفسها التي تظهر على الولايات المتحدة، بما ينذر باقترابها من مرحلة أفول تاريخي مشابه.

ومع ذلك، يصرّ “كاساغراندا” على أن الانحطاط ليس نهاية القصة، فالتاريخ -في منطقه- صندوق أدوات لا خطًا مستقيما، وكل أزمة تحمل بذور نهضة، وهو يلمح إلى نماذج إيجابية في الخليج وماليزيا وإندونيسيا، معتبرا أن المستقبل ما يزال مفتوحا على احتمالات التحول.

لكن الأهم في أطروحته هو ربطه بين القيادة والتاريخ، فالقائد الحق، في نظره، ليس من يكرر سيرة صلاح الدين أو خالد بن الوليد أو أبي بكر الصديق، بل من يعرف كيف ينتقي “الأداة المناسبة” من صندوق الخبرات التاريخية، فأحيانا يكون الحل في الحكمة السياسية الرحيمة كما فعل صلاح الدين، وأحيانا في الحسم العسكري العبقري كما جسده خالد، وأحيانا في الجرأة غير المتوقعة التي مثلها أبو بكر حين تحدى إمبراطوريتين عظيمتين في آن واحد، القيادة عنده إذن فنّ للمخاطرة المحسوبة، وليست عبادة للنماذج.

يتوقف “كاساغراندا” طويلا عند شخصية خالد بن الوليد، مصنفا إياه ضمن أعظم ثلاثة قادة عسكريين في التاريخ إلى جانب الإسكندر الأكبر وتحتمس الثالث (أحد أعظم ملوك مصر القديمة)، كما يوضح، ليست قيمة خالد في سجله الحربي الخالي من الهزائم فحسب، ولكن في قدرته على توليد تكتيكات مبتكرة لكل معركة، إلى حد أن معاصريه ومن جاء بعده وجدوا أنفسهم يتعلمون من عبقريته التي صاغت لاحقا جوهر العقيدة العسكرية الألمانية عبر وسيط عثماني، والأكثر إدهاشا في نظره، أن خالد جمع بين النبوغ العسكري والنزاهة الأخلاقية، كما برهن على ذلك حين أعاد أموال الجزية إلى أهل الشام قبل معركة مصيرية، ليحفظ وعدا قطعته الدولة رغم أن الهزيمة كانت ممكنة، تلك اللحظة، كما يرى، تكشف أن الإنسانية كانت جزءًا أصيلا من عقيدته القتالية.

لكن قيمة الحوار لا تقف عند الجانب العسكري، ولكنه يمتد إلى السردية الكبرى حول المعرفة، فبعد أن دمرت الإمبراطورية الرومانية مكتبة الإسكندرية وأغلقت أكاديمية أثينا، نزح العلماء بكتبهم إلى فارس، ثم ورثها المسلمون بعد الفتح، لم يكتفوا بالحفظ، بل أبدعوا علوما جديدة في الطب والجبر والمنهج التجريبي، وصاغوا ما يسميه كاساغراندا “الثورة العلمية الأولى”، هذه المنجزات انتقلت إلى أوروبا عبر الأندلس والصليبيات، لتصبح الشرارة التي أطلقت النهضة، وهو ما يعني أن الغرب الحديث ليس مولودا ذاتيا، وإنما وريثا للجهود الإسلامية التي أنقذت الذاكرة البشرية من الضياع.

وفي مواجهة السردية الغربية التقليدية التي تقيم قطيعة صارمة بين “الشرق” و”الغرب”، يقترح “كاساغراندا” أن الحضارة في حقيقتها مشروع مشترك ممتد، فالحضارة الغربية، كما يصرّ، ليست أوروبية خالصة، بل شرق أوسطية في جذورها، من حضارات وادي النيل والرافدين، مرورا باليونان والرومان، وصولا إلى العرب والفرس الذين أعادوا بعثها. إننا اليوم، في عالم الهواتف الذكية والطائرات العابرة للقارات، نعيش في جسد حضاري واحد، حيث ألم جزء يوجع الكل (كلام لا يثبته الواقع).

وحتى ما يبدو تناقضا في علاقة الحضارة الإسلامية بالعلماء الكبار، من ابن سينا إلى ابن رشد، ليس سوى صورة من جدلية أوسع بين السلطة والمعرفة. فالتاريخ البشري كله، من روما إلى الصين وأوروبا الحديثة، شهد هذا التوتر بين قمع العلماء ورعايتهم، وعبقرية العلماء كانت دائما في قدرتهم على المناورة مع السلطة: بالتظاهر بالجنون كما فعل ابن الهيثم، أو بوصية النشر بعد الموت كما فعل الفارابي، أو بالهجرة كما فعل فيرمي وآرنت وماركوزه في العصر الحديث.

إن ما يخرج به القارئ من هذا الحوار هو أكثر من مجرد محاضرة في التاريخ، إنه تذكير بأن الحضارات ليست ملكا حصريا لأمة أو دين، بل هي سيرورة إنسانية طويلة، وأننا اليوم إزاء تحدٍّ حضاري جديد: كيف نحافظ على هذا الجسد العالمي المترابط، ونمنع الانهيار الشامل الذي قد يجرّ البشرية كلها إلى مصير شبيه بحريق مكتبة الإسكندرية قبل ألفي عام؟.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!