من هنا مرّ فرحات عباس وهنا غرست بذرة الوطنية
لم نفوت تصريحا مقتضبا مرّ على أسماعنا قبل أقل من سنة خلال إحدى المناسبات الوطنية المحلية والذي صرح من خلاله أحد المواطنين المهتمين بتاريخ الثورة وهو بصدد الحديث عن ضرورة البحث وكتابة تاريخ منطقة الساورة الذي لم يعط حقه من البحث والتدوين لحد اليوم، متأسفا على أنّ الكثير من الجزائريين وحتى سكان المنطقة أنفسهم يجهلون أن دائرة بني عباس التي تبعد 250 كم عن عاصمة الولاية بشار، ارتبط اسمها أكثر بالسياحة، يتواجد بها اكبر معتقل للشخصيات التاريخية والسياسية من أمثال فرحات عباس وعبد الكريم الياجوري.
فكان هذا التصريح المقتضب دافعا لنا للتعرف عن هذا المعلم التاريخي وانتزاع شهادات بعض من كانوا قريبين من المعتقل سواء من المجاهدين أو من قدماء المحاربين الذين كلفتهم فرنسا بحراسة السجناء أو من كانوا يعملون في ورشات قرب مكان المعتقل؛ ورغم ان شهادات هؤلاء كانت جد شحيحة نظرا لكبر سنهم الذي تجاوز الثمانين، إلا أنّ وصولنا إلى هذا المعتقل التاريخي الذي تحول إلى أنقاض، جعلنا نربط التصريحات بما وقفنا عليه من أطلال كانت تنطق عن تاريخ عريق عرفته منطقة بني عباس منذ الثلاثينيات، الفترة التي انطلق خلالها نشاط الحركة الوطنية وبروز العديد من النشطاء السياسيين.
معتقل سياسي بكل المرافق لم تبق منه إلا الأطلال
لم يكن من السهولة الوصول إلى المعتقل السياسي الشهير الذي يعرف بالمنطقة باسم “خنيڤ العطن” 22 كم عن قرية لوقارتة التابعة لدائرة بني عباس بولاية بشار، إلا بعد كراء مركبة مخصصة لنقل البضائع التي لم نجد بديلا عنها رفقة بعض من رافقونا من سكان المنطقة للوصول إلى هذا المكان التاريخي، لأنها كانت المركبة الوحيدة التي بإمكانها مقاومة المسالك الوعرة التي كانت تميز الطريق الرابط بين قرية لوقارتة والمعتقل، فهي مسالك ترابية وأخرى حصوية تحيط بها جبال أشبه بجبال الهڤار والطاسيلي.. كان يراودنا سؤال محير: لماذا اختارت فرنسا هذا المكان المنعزل والوعر بأقصى جنوب السّاورة ليكون منفى ومعتقلا لرجال السياسة وسجناء الحرب؟ لماذا تغاضت عن إقامة المعتقل بنواحي عاصمة الولاية على الأقل او بمنطقة أخرى من الوطن؟
لم نكن لنصدق ونحن نصل إلى المعتقل ونعاين أجزاءه المترامية هنا وهناك بأن شخصيات بارزة في النضال الثوري كانت تعيش ولو لأسابيع قليلة في هذا المكان، فقد فوجئنا بدليلنا وهو السيد يوسف بن علي، مجاهد، عندما دخلنا داخل أحد أقسام المعتقل الذي كان عبارة عن بيوت متباعدة عن بعضها قليلا، أن هذا المكان كان ينام به هؤلاء وغيرهم من السجناء، فهو يشبه القبور المفتوحة، بين المرقد والآخر_ جدار قصير، بدأنا نتخيل كل شيء، الا ان ينام في هذا المكان بشر مهما كانت مكانتهم الاجتماعية، غير بعيد عن ذلك، وقفنا على المطبخ الذي كانت تطهى به الوجبات للمساجين والمعتقلين إلى جانب القسم الخاص بالجنود الذين كانوا مكلفين بالحراسة، وحتى الحمام الذي كان يغتسل فيه الجنود الفرنسيون، وأكد لنا بعض من كانوا برفقتنا أن عين ماء كانت إلى وقت قريب بهذا الحمام الذي فقد هو الآخر جزءا من معالمه، مضيفا بالقول كانت حياة هنا وحركة ليس كما ترون الآن… يقول لنا المجاهد يوسف بن علي حتى العائلات الفرنسية سكنت هنا، محاولا إضفاء جو من الدعابة بالقول كن جميلات، يقصد النساء الفرنسيات، سألنا: كيف كان يعيش من كانوا بالمعتقل سواء المساجين او الفرنسيين أنفسهم، خاصة أن المكان منعزل وبعيد عن القرية، والطريق ليس معبدا، فقيل لنا أنّ المولدات كانت تضيء المكان. وأن كل من كان يؤتى به إلى المعتقل، كان عبر طائرات عسكرية، لكن من يستعمل الطريق الريفي كانت الشاحنات العسكرية التي كانت الوحيدة التي تستطيع السير على تلك الطريق الحصوية.
من هنا مرّ فرحات عباس أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة
وصولنا إلى المعتقل الذي كان عبارة عن جدران من الحجارة، جزء منها هدم وأخرى فقدت معالمها كلية، فكانت أشبه بأطلال تنطق عن تاريخ مرّ من هذا المكان. حاولنا استنطاق التاريخ من خلال ما وقفنا عليه من بقايا المعتقل المجاهد يوسف بن علي، من سكان منطقة لوقارتة ببني عباس والذي أكد انه كان يعمل بورشة لتقطيع الحديد أقامتها فرنسا على بعد خطوات من المعتقل الذي كان يشرف عليه فرنسي يدعى بربيرة ما مكنه ـ يقول ـ من رؤية الزعيم السياسي فرحات عباس الذي مازال يذكر هيئته عندما أتوا به عبر طائرة هيليكوبتر في حدود الثانية زوالا إلى مطار لوقارتة البعيد 3 كم عن المعتقل والذي لاتزال بعض معالمه صامدة إلى اليوم، كان الرجل عند هبوطه من الطائرة ـ يقول المجاهد يوسف بن علي ـ يرتدي بدلة رسمية وقبعة، طويل القامة، يضيف أن عمله بالورشة جعله يرى الزعيم السياسي فرحات عباس ولو من بعيد، فقد كان يجلس أحيانا تحت نخلة قرب المعتقل، أحيانا نرى في يده كتابا ربما هو مصحف ويرمقنا ملوحا لنا بيده، بينما لم نكن لنستطيع الاقتراب منه، فقد كان تحت حراسة مشددة، وبعد فترة ـ يقول المجاهد يوسف بن علي ـ نقل فرحات عباس عبر طائرة هليكوبتر إلى وجهة لم يتسن لنا معرفتها ربما إلى ولاية أدرار.
العريف السابق في الجيش الفرنسي وأحد الحراس بالمعتقل محمدي محمد
فرحات قال لنا: قوموا بواجبكم.. لا تخافوا علي “أنا جئت لأزرع البذرة“
يتذكر العريف السابق و أحد من وقفوا إلى جانب الثورة المظفرة المجاهد محمدي محمد الذي كان حارسا بالمعتقل، يذكر ان فرحات عباس كان محاطا بحراسة مشددة وكان يحظى بعناية واهتمام بالغين كمعتقل سياسي من طرف الفرنسيين داخل المعتقل، ولم نكن حتى نحن الحراس الجزائريين نستطيع ان نتحدث إليه، وكان يعي هو ذلك، وعندما سمع في إحدى المرات ضابطا فرنسيا يشدد علينا بعدم التحدث إليه، عباس فرحات قال لنا: لا تخشوا علي، قوموا بعملكم، أنا جئت لأزرع (البذرة) في إشارة منه إلى ممارسة العمل السياسي وهو ما فهمناه أنذاك يقول محدثنا.
السيد محمدي الذي كان متابعا من فرنسا بتهمة الخيانة وتهريب أسلحة وذخيرة لصالح الثورة الجزائرية، يذكر ان الجنرال ديغول أخذ فرحات عباس عنده وأظهر له عددا من الأسلحة التي تمتلكها فرنسا، فردّ عليه فرحات عباس بالقول: انتم لديكم الدبابات ونحن لدينا الرجال الذين يواجهون تلك الأسلحة.
الجنود الألمان وسجناء أحداث 8 ماي قضوا سنوات في تكسير الحجارة
لم يكن فرحات عباس أو بعض رفقائه في النضال هم الوحيدون الذين زج بهم في غياهب معتقل العار أنذاك، فقد عرف هذا المعتقل العديد من السجناء من جنسيات تونسية وليبية وحتى سجينات على غرار إحدى الناشطات السياسيات من جنسية تونسية، كما وجدت فيه فرنسا المكان الأنسب لمعاقبة جنود النازية الألمانية بعد أسرهم عقب هزيمة ألمانيا أمام الحلفاء، ويؤكد ن عايشوا الفترة أن فرنسا شغّلت هؤلاء الألمان في الأشغال الشاقة مثل تكسير الحجارة والحفر، في الوقت الذي سخرت فيه فرنسا الاستعمارية ـ ايضا ـ سواعد من اعتقلتهم من الجزائريين في أحداث 8 ماي 1945 بكل من ڤالمة وخراطة وسطيف في انجاز خط السكة الحديدية الذي ينطلق من المنطقة ليصل إلى مدينة ڤاو المالية والذي كانت فرنسا تسعى من خلاله إلى نقل المعادن التي تزخر بها منطقة بني عباس باتجاه فرنسا عبر القطار، لكن لم يشأ لهذا المشروع أن ينتهي، يقول بعض المجاهدين من سكان المنطقة، أن اندلاع الثورة أثر على معنويات فرنسا وجعلها تدرك ان بقاءها بالجزائر لن يدوم طويلا ليتوقف المشروع قبل وضع السكة الحديدية ولاتزال معالم الطريق باقية إلى اليوم والسكان يتطلعون إلى ان تلتفت إليه السلطات وتستكمل انجازه ليساهم في تنمية المنطقة اقتصاديا بعد استغلال الثروات المعدنية الباطنية التي تزخر بها بني عباس.
لو نطق المعتقل السياسي…
غادرنا المعتقل بعد ان استطعنا ان نلتقط صورا متعددة لما تبقى من تاريخ هذا المكان، وتمنينا حينها لو أننا سمعنا عنه قبل سنوات من الآن علّنا نقف علي أفضل مما تبقى الآن ونظفر بشهادات أخرى ممن كانوا على قيد الحياة واعتقلوا رفقة هؤلاء المناضلين وسجناء الحرب العالمية لنستنطق أكثر ما لم يدونه التاريخ إلى اليوم عن هذه المنطقة التاريخية بامتياز حتى وإن ذكر المعتقل في بعض المراجع والشهادات، الا أنها مقتضبة لم تف ما اختزنه معتقل لوقارتة من تاريخ وأسرار منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
ولو نطق هذا المعتقل لاستنجد بأهل الثقافة والتاريخ لترميم ما تبقى منه وتصنيفه كمعلم تاريخي وطني، ولم لا عالمي، عرف مرور العديد من الجنسيات من السجناء، ولو نطق المعتقل لالتمس من صناع الفن من المخرجين وكتاب السيناريو ان يستغلوا ما تبقى من معالمه ومما تبقى من شهادات أهل المنطقة لتوثيقه سينمائيا وتسليط الضوء على جانب من التاريخ النضالي للجزائريين منذ الحركة الوطنية قبل أن تمتد إليه عوامل الزمن فتمحو معالمه نهائيا، أين لا يبقى حينها مجال للتفكير في ترميمه او حتى استنطاقه، وهي الرسالة التي حمّلنا إياها بعض سكان المنطقة من الشباب المجاهدين الذين تمنوا ان يحظى تاريخ المعتقل بتدوين أكاديمي جاد.