من هو البلد المعزول في إفريقيا؟
إذا كانت العزلة تُقاس بالقدرة على التأثير في القرار الجماعي وحشد الأصوات، فإن نتائج انتخابات البرلمان الإفريقي الأخيرة في ميدراند بجنوب إفريقيا في الفترة ما بين 28 و30 أفريل 2026، تشير إلى أن المملكة المغربية هي من واجهت صعوبة في تسويق روايتها القانونية للأغلبية الإفريقية، مما دفعها للانسحاب، في حين خرجت الجزائر برصيد دبلوماسي قوي يتمثل في قيادة المؤسسة التشريعية القارية إلى غاية 2029، مدعومة بتفويض واسع ينهي حالة الشلل التي عاشها البرلمان لسنوات.
إليكم أبرز تفاصيل ما حدث في هذه الدورة الاستثنائية:
-الفوز الساحق: حصل فاتح بوطبيق من الجزائر على 119 صوت من أصل 134 صوت معبَّر عنه، في حين ألغيت 15 ورقة تصويت.
-نهاية أزمة القيادة: جاءت هذه الانتخابات لتنهي فترة انتقالية صعبة وتخلف الرئيس السابق فورتشن شارومبيرا من زيمبابوي، إذ نُظِّمت هذه الدورة الاستثنائية تحت إشراف مفوضية الاتحاد الإفريقي لضمان الشفافية.
-تطبيق مبدأ المداورة: الانتخابات جرت بناءً على مبدأ التداول الإقليمي، إذ كان المنصب هذه المرة من نصيب منطقة شمال إفريقيا. فاتح بوطبيق فاز أوَّلا في الانتخابات الداخلية للمجموعة الجيوسياسية لشمال إفريقيا بـ19 صوتاً مقابل منافسيه من المغرب صوتين وليبيا صوتين، قبل أن تجري تزكيته وانتخابه من طرف البرلمان ككل كرئيس جديد للبرلمان الإفريقي.
-انتخاب المكتب الجديد: بالإضافة إلى منصب الرئيس، أنتُخب نواب الرئيس الأربعة لتمثيل بقية المناطق الجغرافية.
-أهداف المرحلة القادمة: في أول خطاب له، أكد فاتح بوطبيق أن فوزه هو “انتصار لإرادة إفريقية موحدة”، وشدد على ضرورة تعزيز دور البرلمان الإفريقي وجعله أكثر تأثيراً في تنفيذ “أجندة 2063″، مع التركيز على الحلول الإفريقية للمشاكل القارية.
والأمر الملفت للانتباه بالفعل، كانت الكواليس المحيطة بانتخاب ممثل شمال إفريقيا هي الجزء الأكثر توتراً في هذه الدورة، وقد سجلت التقارير الإعلامية والمتابعات من داخل القاعة اعتراضات وفوضى من جانب الوفد المغربي. وإليكم تفاصيل ما حدث من زاوية الخلاف الذي وقع:
-الانسحاب من القاعة: الوفد المغربي أبدى اعتراضاً شديداً على الطريقة التي جرت بها إدارة عملية الترشيح داخل المجموعة الجيوسياسية لشمال إفريقيا. وقد انسحب أعضاء الوفد المغربي وتبعهم بعض المؤيدين لموقفه احتجاجاً على ما وصفوه بـ”عدم احترام المساطر القانونية” وتجاهل ترشيح ممثلتهم للمنصب.
-جوهر الخلاف: احتجَّ الوفد المغربي على أن الجزائر، عبر فاتح بوطبيق، قد استولت على منصب رئيس البرلمان بينما كانت المملكة المغربية تطمح لشغل هذا المنصب وفقا لمبدأ المداورة أيضا. وادّعى الوفد المغربي أن هناك “توجيها” من مفوضية الاتحاد الإفريقي لصالح مرشح على حساب آخر.
-محاولات التعطيل: قبل الانسحاب، شهدت الجلسة مشادات كلامية ومحاولات متكررة لرفع نقاط نظام للتشكيك في شرعية التصويت، مما تسبب في توقف مؤقت للنقاشات وتوتر ساد القاعة لعدة ساعات.
-استمرار العملية رغم الاحتجاج: رغم هذا الانسحاب والضجيج الذي رافقه، قررت رئاسة الجلسة المدعومة من الاتحاد الإفريقي المضيَّ قُدما في عملية الاقتراع السري، معتبرة أن النصاب القانوني مكتمل وأن المقاطعة لا توقف المسار الانتخابي.
هذا الانسحاب يعكس حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي غالبا ما تنتقل من أروقة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا إلى قبة البرلمان في جنوب إفريقيا، وهي ليست المرة الأولى التي تؤدي فيها الخلافات الإقليمية في شمال إفريقيا إلى هزات داخل المؤسسات التشريعية القارية.
والحقيقة أن الدورة الاستثنائية للبرلمان الإفريقي في ميدراند بجنوب إفريقيا (أفريل 2026) شكلت اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الدول الإفريقية على التوافق، بعيدا عن الاستقطابات الثنائية. وفي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه نحو صراع “الشرعية والإجراءات” بين القوى الكبرى في شمال إفريقيا، جاءت صناديق الاقتراع لترسم ملامح مشهد سياسي جديد يتجاوز الخطاب الإعلامي ليخاطب لغة الأرقام والتحالفات.
لفهم من الذي وجد نفسه خارج الإجماع القاري، يجب النظر إلى الكتلة التصويتية مقابل فعل الانسحاب:
-موقف الجزائر: من الناحية الرقمية، تبدو الجزائر في هذه الدورة هي مركز الثقل وليس الطرف المعزول؛ فحصولُ مرشحها فاتح بوطبيق على 119 صوت من أصل 134 برلماني حضروا وشاركوا في الاقتراع السري، يعني أن أكثر من 88% من البرلمانيين الأفارقة الحاضرين، من مختلف الأقاليم الخمسة، منحوا ثقتهم للرؤية الجزائرية لإدارة البرلمان. هذا الإجماع الواسع يكسر فرضية العزلة ويؤكد قدرة الدبلوماسية البرلمانية الجزائرية على حشد التأييد العابر للأقاليم.
-موقف المغرب: في المقابل، يجد المغرب نفسه في وضع محرج ومعزول؛ فخيار الانسحاب الذي انتهجه الوفدُ المغربي، رغم أنه وسيلة احتجاجية مشروعة قانونا، إلا أنه وضعه في زاوية المقاطعة أمام أغلبية قارية قررت المضيَّ قُدما في العملية الانتخابية. وبينما حظي المغرب بتضامن عدد محدود من الدول (مثل جزر القمر وإسواتيني وجمهورية غامبيا، ووفد جمهورية السنغال (جزئيا)، تمثيليات من مجموعة كوت ديفوار والغابون)، إلا أن هذا التحالف ظل أقلية لم تستطع التأثير على النصاب القانوني أو وقف المسار الذي دعمته مفوضية الاتحاد الإفريقي.
ولم تعد التقارير التي تتحدث عن توزيع أظرفة مالية من طرف المغرب في أروقة المنظمات الدولية مجرد إشاعات عابرة، بل تحوَّلت مع مرور الوقت إلى نمط سلوكي ارتبط بشكل وثيق بالتحركات الدبلوماسية المغربية، فمنذ تفجير فضيحة “ماروك–غيت” في قلب البرلمان الأوروبي ببروكسل، سقط القناع عن إستراتيجية قديمة- جديدة تعتمدها الرباط؛ وهي استبدال قوة الحجة والشرعية القانونية بقوة الإغراء المالي لشراء المواقف وتوجيه التصويت.
إن ما كشفته التحقيقات القضائية البلجيكية حول شبكات الرشوة التي قادها دبلوماسيون مغاربة للتأثير على نواب أوروبيين، لم يكن سوى قمة جبل الجليد. هذا الإرث من الأقدمية في استخدام المال السياسي انتقل إلى الساحة الإفريقية، حيث يجد المغرب في بعض الهياكل الهشة والوفود المترددة بيئة خصبة لإعادة إنتاج الممارسات الفاسدة ذاتها.
وعليه، فإن مشهد الانسحابات “التضامنية” أو غياب بعض الوفود عن اللحظات الحاسمة في اجتماعات البرلمان الإفريقي بميدراند، لا يمكن قراءتُه بمعزل عن هذا التاريخ المثقل بالرشاوى. والمتابع للشأن القاري يدرك أن “الولاءات المفاجئة” غالبا ما تكون محكومة بمنطق “الأظرفة المغلقة” وليس بالاقتناع بالمبادئ، مما يجعل من “الرشوة الدبلوماسية” أداة المغرب الأولى لمواجهة عزلته المتزايدة ومحاولة تقويض أي إجماع قاري لا يخدم أجندته التوسُّعية.
إن نتائج انتخابات البرلمان الإفريقي في ميدراند لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي لتنصيب رئيس جديد، بل كانت بمثابة إعلان وفاة رسمي لما يُعرف بالدبلوماسية النقدية. لقد أثبت الصندوق الإفريقي أن عهد “الأظرفة المغلقة” وشراء الولاءات العابرة للحدود قد ولَّى إلى غير رجعة، وأن القارة التي تطمح للنهوض لم تعُد تقبل بأن تُباع مواقفها في مزادات الكواليس.
من الناحية الرقمية، تبدو الجزائر في هذه الدورة هي مركز الثقل وليس الطرف المعزول؛ فحصولُ مرشحها فاتح بوطبيق على 119 صوت من أصل 134 برلماني حضروا وشاركوا في الاقتراع السري، يعني أن أكثر من 88% من البرلمانيين الأفارقة الحاضرين، من مختلف الأقاليم الخمسة، منحوا ثقتهم للرؤية الجزائرية لإدارة البرلمان. هذا الإجماع الواسع يكسر فرضية العزلة ويؤكد قدرة الدبلوماسية البرلمانية الجزائرية على حشد التأييد العابر للأقاليم.