من يحرّر مراكش من الاستعمار الإسرائيلي؟
من العبث، اعتبار ما يحدث في بلاد مراكش، التي خلعت الأبواب نهائيا ورمت المفاتيح والأقفال في المحيط الأطلسي، في وجه الكيان الصهيوني، بالعلاقات الأخوية الخالية من الندّية، لأنه لا يوجد أصلا ما يجمع “المغربي” بالشؤم” وليس الشامي. فلا لغة ولا جغرافيا ولا دين ولا عرق ولا أي مصلحة وهدف، بين كيان يعتبرك جزءا من كيانه، ومملكة انطبق عليها قول مالك بن نبي في قابليتها للاستعمار والذل والخنوع.
ولم تكن الخطوة الدبلوماسية الجديدة من خلال توسيع التمثيل الدبلوماسي بين الكيانين إلا مضغا متكررا، للمجتر، لأن العلاقة “الغريبة” وصلت إلى أقصى درجاتها من دون سفارة ولا عمارة ولا السيناريست “يوسف معاطي”.
ما يحدث في بلاد مراكش حاليا هو استعمار إسرائيلي كامل التفاصيل وقد تكون المفارقة الوحيدة أو الاختلاف الوحيد، أن الاستعمار الإسرائيلي لبلاد فاس، من دون مقاومة ولا ثورة ولا حتى تأفف، وقد نجد ما قاله أحد معارضي النظام المخزني في الخارج الأقرب للمنطق عندما قال: “هناك مغاربة يتمنون استعمارا صريحا من الصهاينة، حتى ينقذوهم من الذل الذي يعيشونه تحت راية الملك السادس”.
حكام الكيان صاروا يعتبرون أنفسهم “دولة” عظمى، لا تقل شأنا عن روسيا وحتى أمريكا، وأقوى من كل بلاد القارة العجوز، ولا يجد حكامهم حرجا في “إحراج”، الدول العربية بالقول بأنهم ليسوا إطلاقا في حاجة إلى تطبيع علاقات مع دول لا تمتلك من القوة شيئا، ويرون بأن الذين تجمعهم بهم علاقات دبلوماسية إنما هم من لهثوا لأجل إبرامها ويسمونهم قردة البابون، ولن تكون في الحكاية، سوى رابح واحد، هو “الكيان”، وهو ما يترجم تحوّل دولة الإمارات إلى صكّ على بياض بيد نتانياهو، ودولة مراكش إلى مخبر تجارب فلاحي وعسكري وتجسسي بيد الكيان، في أغرب علاقات بين الدول في تاريخ الدبلوماسية.
يُعرّف مصطلح الاستعمار، بأنه سيطرة دولة قوية على بلد ضعيف بالقوة العسكرية أو السياسية لنهب ثرواته واستغلال موارده البشرية والطبيعية. والمتصفح لمسار العلاقة الموجودة حاليا ما بين مملكة مراكش والدولة العبرية، كما يرِدُ من الرباط ويتداوله بسطاء المغرب، من استعمار للأرض الفلاحية وللعقار وللقرار، لا يمكنه أن يُخرج هذه العلاقة من لبّ تعريف مصطلح الاستعمار. وعندما لا تستطيع أو بعبارة أصحّ لا تريد، حتى أن تلوم ظالم، وهو يرتكب إبادة جماعية في حق شعب يتكلم لغتك ويدين بدينك، فذاك هو الاستعمار كما هو معرّف، مع قابلية للاستعمار موجودة في جينات قابل الاستعمار.
الذي شاهد وزير الخارجية المراكشي ناصر بوريطة ونظيره الصهيوني جدعون ساعر، وهما يتبادلان النظرات والهمسات والابتسامات والصمت الرهيب، على حد تعبير الشاعر كامل الشناوي، يعرف من غلاف المقابلة، فحوى الكتاب. مخزن يتمسّح على حائط لا مبكى فيه ولا ضحكٌ ولا أمل، وكيان لم يكن يدري أن بإمكانه استعمار مملكة، من دون إطلاق رصاصة واحدة.