من يحكم من؟ كيف؟ وبماذا؟
الجلبة التي أثارتها التعليمة التي وجهها رئيس الجمهورية للوزير الأول، وتحرم خصخصة مؤسسات القطاع العام، تتجاوز البعد الاقتصادي فيها لتطال إعادة تحديد هامش المناورة، وحرية القرار الممنوح للوزير الأول، الذي يظل مجرد منفذ لسياسة وبرنامج الرئيس، كما تجيب في ثناياها عن السؤال المستدام حول: من يحكم من؟ كيف وبماذا؟ وترد مباشرة على الأصوات التي زعمت طيلة لعهدة الرابعة “أن الرئيس لا يحكم” أو يحكم بوساطة من محيطه القريب، وهو محض مضاربة تتجاهل الواقع المعقد لممارسة السلطة في الجزائر.
مبدئيا كان يفترض أن نُفاجئ أولا عند صدور قرار السيد أويحيى بفتح الرأسمال الاجتماعي للمؤسسات العمومية، وقد طُبخ على عجل في الثلاثية الأخيرة، لأنه يتعارض مع المبدأ الذي دافع عنه الرئيس منذ العهدة الأولى، وكرسه بتأطير الاقتصاد الوطني بمبدأ 51– 49 الذي أريد له أن يحمي الاقتصاد الوطني من افتراس الاستثمار الأجنبي، وكان سينتج حتما عن قرار الوزير الأول بفتح رأسمال القطاع العام للاستثمار الخاص الوطني توطئة لتحريره مستقبلا لتسلل متدرِّج للرأسمال الأجنبي.
وتأتي التعليمة الرئاسية ـ التي حرصت الرئاسة على تعميم نشرها ـ لتحقق ما أراده الرئيس لها كعنوان لحماية القطاع العام من الخصخصة، الذي هو خيار استراتيجي ثابت للدولة، غير قابل للتداول والمراجعة لا على مستوى البرلمان، ولا على مستوى الحكومة، وهو في قلب ما تصالح عليه أركان النظام ضمن ما سمي بالاقتصاد الجديد الذي يحكم خيارات البلاد الاقتصادية حتى أفق 2030 كيفما كانت بقية الإصلاحات التي اعتمدت في المرحلة الانتقالية حتى 2019 أو التي سوف تطرح في العهدتين الرئاسيتين القادمتين.
في مشهد السلطة الجزائرية البالغ التعقيد، لا يمكن لرجلٍ من داخل السرايا مثل الوزير الأول السيد أويحيى أن يكون جاهلا بقواعد اللعبة، وقد تربَّص سنوات بقلب الرئاسة، وعلى مقربة من مركز صناعة القرار، وانه أعلم الناس مع قلة قليلة بما لا يجوز الاجتهاد فيه بالتيمُّم مع حضور الماء، ويعلم أن الرئيس الوافد من عهد السبعينيات، لم يُبدِ خلال العهدات الأربع أي انفتاح على رغبة بعضهم في تحجيم دور ومكانة القطاع العام، وقد أوقف من قبل محاولات مماثلة للخصخصة رغم الضغوط الكثيرة من الداخل ومن المؤسسات المالية العالمية مثل: البنك العالمي وصندوق النقد الدولي.
وفي مكان ما، تكون التعليمة الرئاسية قد أحبطت الوزير الأول، ومعه كثير من أعضاء نادي أرباب المال والأعمال في “الأفسيو” الذين أسال قرار الوزير الأول لعاب أكثرهم شراهة بفرص اقتحام مجالات مغلقة مثل: قطاع المحروقات، والكهرباء، والنقل بأنواعه، ومعها قطاع البنوك، وقد يكون الرئيس قد أبرق للوزير الأول، ومعه إلى كل من يطمح في التنافس عما قريب على كرسي السلطة الأول في المرادية “أن اللعبة قد أغلقت” ليس من جهة فرص الترشح والفوز بدعم النظام، بل تكون قد أغلقت من جهة ما تُرك من هامش الاجتهاد للرئيس القادم، الذي لن يرث الرئيس إلا بتبني الخيارات التي ميزت برنامج الرئيس على امتداد عقدين من الحكم، وهنا بيت القصيد في التعليمة، التي لا تعني السيد أويحيى حصرا إلا إذا كان يزور في النفس طموحٌ مشروع في التنافس مع المتنافسين في 2019.