الرأي

من يفرض الحروب على العالم؟

محمد سليم قلالة
  • 831
  • 0

الذي يحدث في أوكرانيا يتكرر بطريقة معكوسة في إيران ومنطقة الخليج بشكل عام. هناك من يحرّك الحروب خلف الستار..  نخب مالية وعسكرية وتكنولوجية تسعى للتحكم في العالم من خلال إدارة اللعبة الدولية وتوجيهها، ولاعبون محليون يرفضون هذه اللعبة القاتلة ويقاومونها بما لديهم من إمكانات محدودة.. إنه واقع نراه اليوم رأي العين ولا علاقة له بنظرية المؤامرة التي كثيرا ما  فسّر البعض من خلالها هذا الواقع الأليم.

لقد قدّرت النخب المسيطرة في الولايات المتحدة في الفترة الممتدة من بداية التسعينيات إلى غاية 2008 أنها امتلكت جميع أسباب القوة وبإمكانها وحدها  السيطرة على العالم. الصناعة العسكرية الأمريكية تقدّمت أشواطا بعيدة عبر الشركات الكبرى الخمس المشكلة للمركب الصناعي العسكري (لوكهيد مارتن،RTX، نورثروب غرومان، جنرال دايناميكس)، وساندتها في هذا التطور شركات تحليل البيانات العسكرية عبر الذكاء الاصطناعي وعلى رأسها (بالانتير وأندوريل)، واعتقدت هذه النخب أنها باتت تستطيع إلحاق الهزيمة العسكرية بأي خصم غير نووي خاصة إذا كان جيشا نظاميا يمثل دولة وليس جماعة مسلحة من دون الدولة! وعزّزت شركات النفط العملاقة مثل (إكسون موبيل، شيفرون، كونوكو فيليبس…الخ) هذا التوجه لديها، معتقدة أن عالم الطاقة بيدها وحدها من خلال السيطرة على مصادره الأساسية في الشرق الأوسط، وساهم مالكو كبرى الشركات العملاقة المعروفة بمجموعة GAFA (غوغل، أمازون، فايس بوك، آبل) في هذا التوجه، خاصة في مرحلة ما بعد امتلاك نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بكل منها ذات القدرة على التأثير في كافة مجالات الحياة. هذه المجموعة بالتعاون مع بعض النخب العلمية العالمية بـ”السيليكون فالي” باتت تحكم إلى حد كبير تقدير المواقف الأمريكية على الصعيد العالمي وتهيمن على قرار الحرب.

كيف حدث الخطأ في تقدير الموقف الأمريكي في السنوات الأخيرة وأوصل هذه القوة العظمى إلى الوضع الذي أصبحت فيه الآن سواء في أوكرانيا أو في إيران؟ وكيف أصبح انسحابها اليوم يعني تراجعا في الهيبة وبداية فقدان المكانة الدولية الأولى في العالم؟

يبدو أن صانع القرار الإسرائيلي كان من بين المتسببين في ذلك؛ لقد أجمع الكثير من المحللين الاستراتيجيين في مراكز البحث بما في ذلك المراكز الأمريكية (مؤسسة كارنيغي، معهد الشرق الأوسط، مؤسسة بروكينغز، مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية)، بأن قرار الحرب على إيران لم يكن عقلانيا بالمنظور الأمريكي بل كان إسرائيليا بامتياز، وأكدوا أن الاستمرار في هذه الحرب يضر بالمصالح الأمريكية وبالشعب الأمريكي نفسه. وإذا استثنينا بعض المراكز ذات التوجه اليميني المتطرف مثل مؤسسة “هيريتاج”، والنخب الممثلة للمركّب الصناعي العسكري والمؤسسات المرتبطة به الذي يهمه استمرار الحرب، فإن المؤسسات الديمقراطية الأمريكية والرأي العام الأمريكي بات في غالبيته اليوم يرفض هذا التوجه.

وكما كان الأمر بالنسبة لأوكرانيا حيث مازالت الجهات اليمينية المتطرفة تدفع نحو مواصلة الحرب إلى ما لا نهاية،  الأمر ذاته يحدث بالنسبة لإيران، لا يهم إن دفعت شعوب ودول المنطقة الثمن، ولا يهم إن استمرت الحرب سنوات وسقط ضحايا بالآلاف!

وعليه، بات اليوم ضروريا كشف من يقف خلف لعبة الموت هذه، من أقلية إسرائيلية متعطّشة للحروب، وأقلية ممثلة لمصالح كبرى الشركات الأمريكية التي ترى هي الأخرى في الحرب مصدرا لمزيد من الهيمنة والثراء.

من دون شك، هناك قوى داخل المجتمع الأمريكي وقوى دولية تقاوم هذا التوجه وتسعى إلى إحداث توازن على الصعيد العالمي في هذا المجال مثل الصين، ولكن هذه الأخيرة لا تستطيع الدفاع نيابة عن بقية العالم المستهدف… يبقى إذن الداخل الأمريكي هو وحده الذي يستطيع الحسم ديمقراطيا وإنقاذ العالم من دوامة هذه الحروب العبثية، وتبقى إرادة الشعوب في بقية العالم، من جهة أخرى، هي القادرة على الحسم ميدانيا، وإن كانت ستدفع الثمن غاليا.

مقالات ذات صلة