من يهُن يسهُل الهوان عليه..!
لم أصدّق تصريح مسؤول كبير يقول إنه “ليس من أولوياتنا المطالبة بالاعتراف والاعتذار والتعويض من فرنسا عن ماضيها الاستعماري في الجزائر”، وهو نفس لسان حال كل المسؤولين عندما يتعلق الأمر بفرنسا مع بعض الاستثناءات القليلة لوزراء لم يتردَّدوا في الصّدح بالعداء لفرنسا والتنديد بماضيها البشع في الجزائر.
قبل سنوات قليلة، كانت صدمة الجزائريين كبيرة عندما قام حزب جبهة التحرير الوطني بفرملة قانون يجرِّم الاستعمار بالمجلس الشعبي الوطني، ردا على قانون آخر يمجِّد الاستعمار صادر عن الجمعية الوطنية الفرنسية في فبراير 2005، ولا يزال البرلمان الجزائري إلى الآن يغرس رأسه في الرمال، كلما طفت على السّطح قضية الماضي الاستعماري لفرنسا في الجزائر!
وقبل أيام، كانت صدمتي كبيرة وأنا أتّصل بمجاهد كبير ووزير سابق للمجاهدين لأسأله عن رأيه في تصريحات مرشَّح الرئاسة الفرنسية إمانويل ماكرون، وإمكانية تفعيل مطلب الاعتذار والتعويض عن ما نهبته فرنسا من الجزائريين طيلة فترة الاستعمار، فكان ردُّه إنه لا يريد الدخول في هذا الجدل!؟
أما الخيبة الكبرى فهي في ما يُطلق عليه “الأسرة الثورية” من منظمات وجمعيات متصارعة على الرّيع، إلى درجة التفكير في إنشاء جمعية لـ”أحفاد الشهداء” وربما يخرج علينا في المستقبل من يريد إنشاء جمعية لأقارب الشّهداء أو جيرانهم… هذه “الأسرة الثورية” لم نسمع لها صوتا قويا باتجاه إرغام فرنسا على الاعتذار وحتى التعويض!
للأسف الشديد، فإنّ الحقيقة المُرَّة التي يجب أن تقال بشأن موضوع تجريم الاستعمار والمطالبة بالاعتراف والاعتذار والتعويض، هي أن المشكلة لم تكن أبدا فرنسية، بل إن الفرنسيين أنفسهم يحاولون ترقيع صورتهم الإنسانية بإنصاف الشعوب التي تعرَّضت للتنكيل والإبادة الجماعية، ومثال على ذلك ما فعلوه وصرّحوا به نصرة للقضية الأرمينية حيث ناقشت الجمعية الوطنية الفرنسية مشروع قانون يجرِّم إنكار المجازر في حق الأرمن.
إنّ المشكلة كانت ولا زالت جزائرية، والدّليل على ذلك التّصريحات المتتالية لعدد من المسؤولين الجزائريين بأن الجزائر لم ولن تطلب الاعتذار من فرنسا، قالها قبل سنوات مراد مدلسي وردّدها مسؤولون آخرون وأعادها هذه الأيام أحمد أويحيى!
والخوف كل الخوف أن يأتي زمن يُجرّم فيه من يدعو إلى تجريم الاستعمار ويُكرَّم فيه من يدعو إلى تمجيده، وهذا هو الذي يحدث هذه الأيام وإن لم يكن في العلن!