-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من يُصلح الملحَ إذا الملحُ فسد

سلطان بركاني
  • 3784
  • 0
من يُصلح الملحَ إذا الملحُ فسد

تعيش الأمّة في هذا الزّمان واقعا صعبا ومخاضا عسيرا، لا شكّ أنّ تبعاته يتحمّل جزءًا كبيرا منها حكّام باعوا دين الأمّة ودنياها لأجل عرض من دنياهم قليل، لكنّ المسؤولية الأكبر في هذا الواقع الذي تعيشه الأمّة يتحمّلها بعض العلماء، الذين خانوا العهد والميثاق الذي أخذه الله على الذين أوتوا العلم، ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ))؛ علماء يعرفون الحقّ ويخالفونه خوفا وطمعا، يخافون سطوة الحكّام وانتقادات العامّة، ويطمعون في أعطيات أصحاب المسؤوليات وفي نيل رضا من يعجبهم أن يفتيهم العلماء بما يوافق أهواؤهم ويبرّر لهم تقصيرهم.

صنف من هؤلاء العلماء، همّهم الأكبر أن يكسبوا رضا النّاس ويحظوا بإعجاب الجماهير وتتنافس القنوات على استضافتهم وعرض أقوالهم وآرائهم، ولو كان ذلك بمخالفة الإجماع وتحليل الحرام وتحريم الحلال، والطعن في الملتزمين ووصفهم بأوصاف تنفّر منهم، وتزهّد النّاس فيما هم عليه من تديّن والتزام؛ فهذا يفتي بأنّ الحجاب هو حجاب الأخلاق وليس حجاب البدن، وذاك يفتي بأنّ المظهر لا علاقة له بالدّين، وآخر يفتي بأنّ القلب هو وحده محلّ نظر الإله، وهكذا… صنف آخر من هؤلاء العلماء لم يكتفوا بالحرص على إرضاء عامّة النّاس، حتى تمادوا في محاولة إرضاء العلمانيين، ولو أدّى بهم الأمر إلى إنكار ما هو معلوم من الدّين بالضّرورة، كإنكار الحدود الشّرعية، وإنكار وجوب تطبيق الشّريعة، والدّعوة إلى إعادة النّظر في بعض المسلّمات والقضايا التي هي محلّ إجماع، كقضايا الميراث والولاية والقوامة، وهؤلاء يسعون إلى عرض دين يدعو إلى التّسامح ليس فقط مع الآخر المخالف، ولكن أيضا مع العدوّ المحارب، حيث أفتى بعضهم بمنع الدّعاء على الكافرين المعتدين، والتشفّي من المحتلّين الغاصبين، وقالوا عن الصّهاينة إنّهم عدوّ مهادَن تربطنا به اتفاقيات يجب أن تحترم!

صنف آخر من العلماء الذين بليت بهم أمّة الإسلام، هم علماء لا همّ لهم إلا إرضاء الحكام والملوك، وصرف الأنظار عن أخطائهم وجناياتهم في حقّ الدّين والدّنيا، وهؤلاء بينهم من باع دينه بعرض من الدّنيا قليل، بمناصب فانية وأعطيات تمّ إغراؤهم بها، وبينهم أيضا من انتقى اختيارات تبنّاها بعض المتقدّمين، وجعلها أصولا لا تجوز مخالفتها، تُحرّم الحديث عن الحكّام وتمنع الجهر بانتقادهم ومخالفتهم، وتحكم على من يفعل ذلك بأنّه ضالّ مبتدع!

 

إنّها محنة من أعظم المحن التي تكابدها الأمّة في هذا الزّمان، لأنّ العلماء يفترض أن يكونوا منارات للأمّة، تهتدي بهم في ظلمات هذا البحر الهائج الذي يكاد يغرق سفينتها.. هذه الأمّة أمّة مرحومة، وهي خير أمّة أخرجت للنّاس، ومهما مرضت فإنّها لا تموت، وأبناؤها مهما بعدوا عن دينهم فإنّهم سيظلّون يتلهّفون لقائد يجمع شتاتهم ويحيي قلوبهم ويتقدّمهم على طريق استعادة أمجاد أمّتهم. وإذا نكص العلماء عن هذا الواجب، فمن تراه يتصدّى له؟ العلماء هم ملح كلّ بلد، فمن يصلحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟ كلّ النّكبات وكلّ المحن التي ألمّت بالأمّة في تاريخها، استطاعت أن تخرج منها بفضل الله أولا، ثمّ بفضل العلماء الربانيين، الذين ((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّه))، والذين يطلبون رضا خالقهم ويقولون الحقّ وبه يشهدون.. يزجرون الحكّام ويستنهضونهم لحماية الدّين والذّود عن الأوطان، ويستنفرون جموع الأمّة للعودة إلى دينها وردّ البغي والعدوان.. يفتون الحكّام بحقّ الله وحقّ الأمّة عليهم، ويفتون المسلمين بما يُصلحهم وينجيهم وليس بما يعجبهم ويرضيهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!