مهاجرون يستقرون بالوطن بعد سنوات من الغربة
يهجر الناس أوطانهم بحثا عن الرفاهية والتطور، يتركون الأهل والأحبة طمعا في الغنى وتغيير الظروف الاجتماعية، يحصل هذا عادة في السنوات الأولى من العمر، ثم يكبرون ويرتبطون وينجبون، ليكتشفوا أن هناك أمورا أخرى قد تستحق العيش في أوطانهم الأصلية.
تربية الأبناء على الدين وضمان عدم انحرافهم وسط الأهل والمعارف
غادر عبد القادر، مهندس البرمجيات، أرض الوطن في 2001.. كان حينها في العشرينيات، عمل بجد وكون رصيدا محترما في أمريكا، وتعرف على جزائرية تزوجها وأنجب منها بنتين، مرت السنوات قبل أن يقرر العودة إلى الجزائر منذ شهور.. فقد شعر بأن بنتيه اللتين تعيشان المراهقة في بلد غربي مهددتان بالانحراف، يقول: “الفكرة كانت لزوجتي، التي اقترحت أن نعود إلى أرضنا، ونستغل وجود الأهل والسنوات الأخيرة مع الوالدين المريضين، فقررت العودة نهائيا بعد ثلاث سنوات من التفكير والترتيبات”. إن أكثر ما شجع عبر القادر وزوجته على ترك أمريكا مؤخرا، هو انتشار المساجد هنا، واستخدام اللغة العربية، يقول :”أرقتني فكرة أنني أقدم بنتيّ إضافة إلى المجتمع الأمريكي، أحب أن أراهما بالحجاب يقيمان الصلاة التي تألفانها بين العائلة، لا أتقبل فكرة أن تخرجا عن طوعي مبكرا بحجة القانون والحرية”.
الحياة الصعبة بين الطقس وغياب فرص العمل
تقيم كهينة من تيزي وزو رفقة أطفالها الثلاثة في كندا، منذ سبع سنوات، حصلت على عمل هناك، وسجلت أبناءها في مدارس محترمة، ووفرت سكنا، استقرت حياتها أخيرا بعد وفاة زوجها وهجرتها، بقي مشكل واحد غير مجرى حياتها، وأعادها إلى نقطة الصفر، إلى دشرة معدومة انطلقت منها يوما، تقول: “بدأت الحالة الصحية لاثنين من أبنائي تتدهور، أصيبا بمشاكل في الجهاز التنفسي، ومرض ابني الأكبر بمرض نادر يصيب الجلد، من شدة الصقيع.. السيئ، أن علي انتظار دوري في المصحات، من الصباح حتى الليل أحيانا، وأضيع عملي على الأقل مرتين أسبوعيا للعلاج، وتكاليفه مرهقة ومستنزفة، لم أتمكن من تحمل كل هذا بمفردي، تمنيت البقاء في كندا، لكن الطقس جعلنا نغادر”.. مع هذا، تنوي كهينة ترك أطفالها في الجزائر لدى والدتها، والهجرة من جديد لاحقا، خاصة أن أحوالها تزداد سوءا ولا تجد عملا مناسبا.
أما عمار، الذي انتقل من سطيف إلى دبي، بحثا عن العمل والاستقرار، فقد لبث هناك 14 سنة، يقول: “لم يكن طقس الإمارات الحار يزعجني كثيرا، لكن، عندما نقلت زوجتي للعيش هناك، أقنعتني بالعودة إلى الوطن، من كثرة تذمرها أصبحت أنتبه إلى الحرارة والرطوبة، وأنزعج من كل شيء..”
الانفصال غربة بعد الغربة
يهاجر الكثير من الشباب، في السنوات الأولى بعد الزواج، لتأسيس حياة جديدة في الخارج، حيث تتوفر سبل العيش الكريم والرفاهية، يحملون حلما ورديا، ومخططات جميلة تجمعهما، لكن قد تشاء الأقدار وتفرقهما في الغربة، كما حدث مع منال: “تزوجت أسبوعا بعد تخرجي، وركبت الطائرة باتجاه فرنسا في ثالث أيام الزفاف، ثم عملت ممرضة في مستشفى خاص، وأتممت دراستي هناك، بالموازاة، كان زوجي يعمل في شركة توصيل، ويصمم هويات بصرية للمحلات وأصحاب المشاريع، لم نكن نلتقي كثيرا، وشعرنا بأن حياتنا باردة، أصبحنا نتناقش كثيرا حول المصاريف، وزادت اختلافاتنا على الإنجاب والاستقرار حتى انفصلنا.. لم أشعر كيف مرت سنتان هناك، شعرت وهلة بأنني في حاجة ماسة إلى العودة إلى وطني.. بعد الانفصال زادت غربتي، لم أكن أملك وقتي بالأساس، لذلك، لم يكن لي أحد هناك سوى زوجي، على عكسه هو تماما كل عائلته في فرنسا”.