مواطنون يعبثون في مسارح الجريمة ويتلفون الأدلة الجنائية
يدفع الفضول بالمواطنين أحيانا، في حال وقوع جرائم، إلى الدخول واقتحام مسرح الجريمة خلال الدقائق الأولى من حدوثها، والعبث بالأدلة الجنائية دون قصد، مما يؤدي إلى تحطيمها وإتلافها خاصة الآثار البيولوجية الدقيقة، ما يصعِّب عمل المحققين في الوصول إلى الأدلة المادية التي تعتبر أقوى من الاعتراف أو الإنكار، ويرفع تكاليف عمليات فحص العينات وقطع الإثبات إلى ثلاث مرات على الأقل للوصول إلى نتائج.
خمسة عشر دقيقة هي أقصى مدة يستغرقها وصول خلايا الشرطة التقنية التي يستدعيها المحققون في الجرائم، هذه الدقائق هي وقت حرج وضيق لكنه كاف لإتلاف أثار الجريمة ومعها الأدلة الحساسة والدقيقة كالبصمات والألياف والشعر وأثار الخرطوش وتغيير أماكن وقوع أظرفة الرصاص في حالة الطلق الناري، أو إتلاف بقع الدم وهي حساسة للرطوبة وسريعة التعفن، والسائل المنوي في جرائم الاغتصاب ضد القصّر وهي أدلة بيولوجية حساسة وسريعة التلف.
وقال المكلف بالعلاقات للمعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام التابع لقيادة الدرك الوطني لـ”الشروق اليومي” إن اقتحام المواطنين لمسرح الجريمة قبل وصول خبراء رفع الآثار الدقيقة يغيِّر معالم الجريمة كلمس الجثة أو قلبها أو نقلها من مكانها أو لمس السلاح من طرف أكثر من شخص، إذ يعقد ذلك من عملية التحاليل التي تجرى على عدة عينات ويصعِّب الحصول على أدلة موضوعية وعلمية، وقال مسؤولون بالمعهد إن على المواطنين “تجميد الأماكن” أي عدم لمس أي أثر في مسرح الجريمة وتوعيتهم بثقافة علم الأدلة الجنائية، لأن الدليل المادي لحل خيوط أية جريمة قد يكون في أدق بصمة أو أبسط أثر قد يتجاهله المواطن البسيط.
قضايا معقدة وشائكة
يعتبر البحث عن الأدلة الجنائية العلمية أهم حلقة في التحقيق الجنائي يقوم به خبراء من مختلف الدوائر والتخصصات في رفع الآثار ونقلها وحفظها وتسييرها مع مراعاة عدم إتلافها وإرسالها إلى مكتب يُسمى بمكتب الآثار المختومة وهو بمثابة مكتب بريد تصب فيه مختلف جوانب القضايا التي تكون معقدة في حالة جريمة اغتصاب متبوعة بقتل أو جريمة قتل متبوعة بحرق الجثة وهو ما يؤدي إلى طمس وإتلاف مختلف الآثار والأدلة المادية، ما يستدعي تدخل مختصين من دائرة الحرائق والمتفجرات، وتعرض مختلف الآثار من مسرح الجريمة بعد رفعها من طرف مختصين على مكتب الدعم الجنائي لتقييمها ودراسة مدى توفر فيها شروط رفع وحفظ قِطع الإثبات.
وشدد الخبراء على حساسية الأدلة الجنائية في حالة الاغتصاب والاعتداءات الجنسية ضد القصَّر وركزوا على أن الدقائق الأولى بعد الاعتداء هي أهم شيء في التحقيق، وقالوا بأن الأولياء لا يترددون في عرض أبنائهم في حال اكتشاف الاعتداء على الطب الشرعي لأخذ العينات مع تفادي لمس الطفل أو القاصر بالماء حفاظا على الأدلة البيولوجية خاصة وأنها سريعة التحطم والتلف.
ونظرا لاحتواء مسرح الجريمة على الكثير من الآثار كالبصمات والألياف، والحمض النووي في الشعر، واللعاب، وبقع الدم، وبقايا الزجاج، وأظرفة الطلق الناري وسلاح الجريمة.. يتم دراسة أولوية معالجة الآثار حسب ترتيب زمني وتحديد ما هو الأثر الذي له دلالة أقوى وتكاليف أقل علما أن هذه العينات أو الآثار يتم حفظها في “خزانة” وفي درجات حرارة تصل إلى 20 درجة تحت الصفر، وتعتبر البصمات أسهل دليل للاستغلال المادي في الأدلة الجنائية واقلها تكليفا مقارنة بالبصمة الوراثية في الحمض النووي والتي تكلف أكثر من 30 ألف دينار وتستغرق وقتا طويلا.
وذكر لنا مسؤولون بمعهد الأدلة الجنائية أن من أعقد عمليات رفع الآثار على سلاح الجريمة كاستعمال تقنية التبخير لرفع البصمات دون إتلاف أثار البارود، ويتم فحص السلاح في قسم البيولوجيا أولا لرفع الآثار الدقيقة كالألياف والأنسجة ثم يحول على قسم “الباليستيك” يذكر أن البصمة الباليستيكية لها دلالات كبيرة خاصة وأن كل سلاح يترك أثارا تعرفه سواء على أظرفة الطلق الفارغة أو مسار الرصاصة داخل الماسورة وهي بصمة لا تشبه أية بصمة سلاح آخر مثلها مثل بصمة اليد عند الانسان.
وقال مختصون لـ”الشروق اليومي” إن من تعقيدات التحقيق الجنائي هو عدم الوصول إلى مسرح الجريمة الرئيس، في حال ما إذا نفذت الجريمة في مكان معين ونقلت الجثة إلى مكان آخر، ما يُبقى جزءاً من التحقيق غامضاً وبالتالي صعوبة الوصول إلى الأدلة الجنائية الموضوعية في وقت قصير، وهناك قضايا بقيت ملفاتها مفتوحة لمدة عشر سنوات لغياب الأدلة المادية كعدم ظهور الجثة في قضايا المفقودين.
يُذكر أن دراسة الأدلة الجنائية لا يقتصر على جرائم القتل فقط بل تخصُّ أيضا دراسة الوثائق في جرائم التزوير كالأوراق النقدية، الصكوك، جوازات السفر، رخص السياقة، بطاقات التعريف، البطاقات الرمادية وقسيمة السيارات والعقود الإدارية كعقود الملكية، كما يتم دراسة السموم في عيِّنات الدم والمحتوى المعدي والبول في حال التسممات للكشف عن الأدوية والمهلوسات والمعادن الثقيلة والكشف عن كل أنواع المخدرات في قضايا “قفة” المحبوسين حيث يلجأ الأهل إلى تحضير الأكل بمزج المخدرات، وهناك سموم لا تترك أثراً وهي نادرة جدا.
مسار الأدلة الجناية
تعتبر الأدلة الجنائية وكل المحجوزات التي يتم رفعها من مسرح الجريمة ملك العدالة وعملية تحليلها ودراستها هي أهم حلقة في التحقيق، وترسل المحجوزات مع تقرير مفصل من طرف خبراء معهد الأدلة الجنائية إلى الجهات القضائية مع قطع الإثبات التي عُثر عليها في مسرح الجريمة والمشكوك فيها للفصل في القضية، ويتولى تسيير كل المحجوزات من طرف مكتب الآثار المختومة وهو مكتب يحافظ على سلامة الأدلة الجنائية بشكل دقيق وسري ويسير قطع الإثبات قبل القيام بالخبرة وبعد استلامها من المخبر وعند الانتهاء من التحاليل في انتظار إرجاعها إلى السلطات المسخرة، وعند إيداع قطع الإثبات وطلبات التحاليل بمعهد الأدلة الجنائية يقوم نفس المكتب بتخزينها مؤقتا حسب طبيعتها في انتظار تحويلها إلى دائرة الاختصاص لإجراء التحاليل المطلوبة.
بنك المعلومات بصدد الإنشاء
تدرج البصمات الوراثية والالكترونية المتعلقة بوسائل الاتصال والبلالستيكية في بنك معلومات هو الآن بصدد الإنشاء ومن شأنه أن يوصل المحققين إلى نتائج سريعة في التحقيقات من خلال مقارنة الآثار والأدلة بما هو موجود في بنك المعلومات من بصمات وأدلة وعيِّنات مخزَّنة سابقاً.
وفي هذا الصدد ذكر لنا أحد المسؤولين في معهد الأدلة الجنائية أنه في إحدى القضايا الشائكة تمَّ التعرفُ على سلاح نفذت به جرائم اعتداء من خلال الأظرفة الفارغة التي تركها في مسرح الجريمة في كل من ولاية البويرة وبعدها بشهر عُثر على أظرفة تحمل نفس الطلق الناري لنفس السلاح في ولاية برج بوعريريج، واستخدم نفس السلاح في اعتداء بولاية سطيف، ومؤخرا وقعت جريمة قتل في ولاية بجاية حيث أطلق شخص النار على فتاة بواسطة مسدس تم حجزه من طرف مصالح الدرك الوطني وعرض للفحص والتحليل من طرف معهد الأدلة الجنائية وأدخلت البصمات “البالستيكية” في بنك المعلومات ليتبيَّن أن المسدس هو نفس السلاح الذي نفذت به الاعتداءات السابقة، ولا شك أن بنك المعلومات سيخلق شبكة معطيات كبيرة تحدد هوية الجناة والمتورطين في القضايا بشكل دقيق وسريع.
الأدلة الجنائية حلت خيوط آلاف القضايا
يزداد الطلب من طرف المحققين وقضاة التحقيق على تحليل الأدلة الجنائية للوصول إلى الدليل المادي الذي يعتبر أقوى من كل الأدلة بما فيها الاعتراف أو الإنكار، وقد استقبل معهد الأدلة الجنائية التابع لقيادة الدرك الوطني منذ إنشائه سنة 2009، أكثر من 14 ألف ملف للتحليل منها 6140 طلب سنة 2012 لتحليل عينات في علم السموم، البصمات، فحص الوثائق، البلاستيك، البيولوجيا، الحرائق والطب الشرعي والتحاليل الدقيقة.. يذكر أن كل طلب يتم تحليل فيه حوالي ثلاث عينات في حال عدم ثبوت الأدلة.