-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مواقع التواصل.. مصدرٌ للأخبار أم فضاء للتزييف؟

بقلم: خليل بكوش
  • 419
  • 0
مواقع التواصل.. مصدرٌ للأخبار أم فضاء للتزييف؟

شهد العالم مع مطلع القرن الواحد والعشرين بروز فضاءات رقمية يطلق عليها مواقع التواصل الاجتماعي، كنوع من وسائل تكنولوجية تصب في إطار المقولة الرائجة التي تم تأسيسها على ما استشرفه المنظِّر الإعلامي الكندي مارشال ماكلوهان في أواسط القرن العشرين، وذلك بخصوص مسألة “القرية العالمية”، ظاهرة أضحى فيها العالم بأسره أكثر ترابطًا نتيجة انتشار تقنيات وسائل الإعلام، لكن بقدر التطور الذي قدمته هذه التقنيات للإنسان، أوقعَ في دوامة التبعية والإدمان الرقمي وصولا إلى العزلة الاجتماعية.

في كثير من الأحيان تكون هنالك أخبارٌ مزيّفة وبعيدة تماما عن الحقيقة والواقع، كأن يتمّ الإعلان عن وفاة أحدهم وهو على قيد الحياة، أو يتم نشر ومناقشة أخبار سياسية راهنة والادِّعاء برسميّتها، أو حتى ما يُروَّج له مؤخّرا حول إعادة مباراة السد المؤهِّلة إلى كأس العالم بين الجزائر والكاميرون، بتناقل أخبار “الفاف” و”الفيفا” وكواليس التلاعب بالمباريات، وذلك دون ذكر المصادر أو التحقُّق منها.

حقيقة “السوشل ميديا” أو عالم مارك زوكربرغ الذي أصبح المتنفّس الوحيد للمواطن الجزائري، من خلال ارتباطه بالفضاء الأزرق إلى درجة ارتقائه إلى مصاف المصدر المهم – هذا إن لم نقل المتميّز– لتبادل الأخبار والمعلومات، والاطِّلاع على المستجدات اليومية التي تنشرها الصفحات الرسمية وغير الرسمية، بغضّ النّظر عن أبجديات الموضوعية والمصداقية في عرض المعلومات أمام الجمهور الافتراضي، ما شكّل زخما معلوماتيا مختلطا بين الحقيقة والإشاعة أحيانا، وأحيانا أخرى بين الدعاية والتزييف لأغراض شخصية تميل إلى تطلّعات الحصول على أكبر عدد ممكن من التعليقات والمشاركات، أو أغراض أخرى تستند إلى ترويج الأخبار الزائفة لغايات ومصالح شتى.

وفي ظل هذا الطوفان التكنولوجي الذي اكتسح بيوت العائلات الجزائرية التي أضحت من خلاله تجتمع في نفس المكان، لكن لكل فرد من الأسرة حسابا وبيانات خاصة في عالمه وفضائه الالكتروني، بين الإبحار عبر اليوتيوب والتويتر والانستغرام، أو النقر على أزرار الإعجاب على صفحات الفايسبوك التي يتسابق أصحابها على نشرها ومشاركتها بشكل مستمر، لا يستطيع المتتبع على إثرها مجرّد التوقّف أو الخروج منها إلى غاية التّعب الجسدي أو إفراغ شحنة البطارية، ليصل مفهوم العزلة الاجتماعية إلى أعلى المستويات التي تغيب فيها أبسط أطر الاتصال الاجتماعي بين أفراد يعيشون تحت سقف واحد، وهذا دون الخوض في المضامين التي تحملها تلك الصفحات من محتويات تساهم في تفشّي ظاهرة خطابات الكراهية والتمييز داخل المجتمع، والتي أوجد لها المشرِّع الجزائري ترسانة من النصوص القانونية والتنظيمية، على غرار القانون 20-05 المتعلق بالوقاية من التـمييز وخطاب الكـراهية ومكافـحتهما، والمرسوم التنفيذي 20-332 الذي يحدد كيفيات ممارسة نشاط الإعلام عبر الإنترنت ونشر الرد أو التصحيح عبر الموقع الإلكتروني، من خلال وضع مجموعة من الضوابط الشكلية والموضوعية الخاصة بإنشاء مواقع إلكترونية إعلامية تخضع للتشريع والتنظيم المعمول بهما، لكن لا يزال الأمر في بداياته الأولى، ودرجة الإشاعة تطغى بشكل تصاعدي على قنوات ووسائل الإعلام الرسمي، التي لم تبق بدورها مكتوفة الأيدي، إذ يتم ملاحظة سعيها المتواصل إلى نقل كل الأخبار والمعلومات التي تبثّها وتنشرها إلى صفحاتها الخاصة على مواقع التواصل.

ولعلّ التزايد المستمر لاستخدامات هذه المواقع في الجزائر يقودنا إلى المقال الذي نشرته “الشروق اليومي” بتاريخ 11 فيفري 2021، بعنوان “هذه آخر إحصائيات مستخدمي الانترنيت وشبكات التواصل بالجزائر”، من خلال الاستناد إلى التقرير الرقمي السنوي الذي ينشره موقع Digital Report، الذي نقف من خلاله عند الأرقام المرتفعة لعدد مستخدمي الانترنت في الجزائر، إذ بلغ  26.35 مليون شخص بنسبة 59.6 بالمائة من العدد الإجمالي للسكان، في حين أن الفايسبوك جاء في الصدارة بإجمالي 97.9 بالمائة من المستخدمين الذين يلجأون إلى موقع فيسبوك عبر مختلف الهواتف المحمولة واللوحات الرقمية، ووفق التقرير فقد بلغ عدد مشتركي فايسبوك بالجزائر إلى غاية جانفي 2021، أكثر من 23 مليون مستخدِم يمثلون 71.8 بالمائة من عدد السكان الذين يتجاوز سنهم 13 سنة، وهو ما يؤكد نسبة الاستخدام العالية لفايسبوك في الحياة اليومية للأفراد في المجتمع الجزائري، بالموازاة مع تلقّي المعلومات والأخبار بصفة مستمرة على فضاء العالم الأزرق، خصوصا إذا تعلق الأمر بالاهتمام من عدمه بمصداقيتها أو مصادرها، إلى درجة أنه في كثير من الأحيان تكون هنالك أخبارٌ مزيّفة وبعيدة تماما عن الحقيقة والواقع، كأن يتمّ الإعلان عن وفاة أحدهم وهو على قيد الحياة، أو يتم نشر ومناقشة أخبار سياسية راهنة والادِّعاء برسميّتها، أو حتى ما يُروَّج له مؤخّرا حول إعادة مباراة السد المؤهِّلة إلى كأس العالم بين الجزائر والكاميرون، بتناقل أخبار “الفاف” و”الفيفا” وكواليس التلاعب بالمباريات، وذلك دون ذكر المصادر أو التحقُّق منها. ولكن بالرغم من النتائج السّلبية التي تساهم في التأثير على الحقيقة، إلا أنّ درجة الاستهلاك تفوق كل التصوّرات، بدليل حصول تلك الأخبار على أعلى نسب مشاهدة وتعليقات من جهة، ومن جهة أخرى الأعداد الهائلة من المشاركات في الصفحات والمجموعات الأخرى، وهو ما يعكس مدى صحّتها ومصداقيتها بالنسبة لهم.

وفي الأخير، يمكن القول إنّ التقنيات الحديثة للاتصال تقدّم خدمة كبيرة ضمن السرعة والحينية في تلقّي وتبادل المعلومات، إضافة إلى فتح المجال أمام أرضية التّفاعلية بين الجمهور وصاحب الرسالة، لكن انعكاساتها السلبية تبقى متوقفة على درجة وعقلانية الاستخدام التي يجب أن لا تتجاوز حدود الضوابط المجتمعية والأخلاقية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!