مواقف إنسانية عشتها مع العلامة أبو القاسم سعد الله (2)
الموقف السادس: قصة تحلية المؤرخ أبو القاسم سعد الله بشيخ المؤرخين الجزائريينيعود الفضل إلى زميلي محمد رحاي من جامعة سكيكدة الذي يحضر أطروحة دكتوراه بإشراف الأستاذ عبد الكريم بوصفصاف، ومن ضمن محاور أطروحته سعد الله، فقال لي يوم التقيته بسكيكدة: لماذا لا تكتب مواقفك الشخصية مع الدكتور سعد الله شيخ المؤرخين الجزائريين، لأنني أحتاج العودة إلى الجانب الإنساني في حياة سعد الله، فقلت له: لمن أراد أن يعرف أدق تفاصيل حياة سعد الله الباحث والشاعر والإنسان والوطني الصادق فعليه أن يقرأ “موسوعة لسان قلم” التي تشرف الآن على صدور الجزء السابع منها، ثم التقيت الباحث العصامي الأستاذ لحسن بن علجية في المعرض الوطني للكتاب يوم تكريم الشيخ محمد الصالح الصديق، فقال لي: هل تذكر إنك الوحيد الذي استمع إليه وهو يقرن تحلية اسم سعد الله بشيخ المؤرخين الجزائريين، ثم سألت أصحابي، مسعود كواتي، بشير مديني، فأكدوا لي هذه النسبة، والحقيقة التي لا أنساها أنني كنت أسمع منذ عام 1980 الأستاذ الدكتور موسى لقبال رحمه الله إذا حدثنا عن تونس يقول وجاء في خلاصة تاريخ تونس لأستاذ الجيل حسن حسني عبد الوهاب، يرددها بحنية خالصة، رغم تحفظي من شخصية أستاذ الجيل هذا وهو قامة عالية في الدراسات التاريخية في الإذاعة التونسية، وغيرها من المؤسسات.
ومنذ ذلك الزمن، وأنا في ذهني مكانة روحية عالية للدور الذي يقوم به المؤرخ النزيه سعد الله فبدأت تحليته بهذه الصفة بداية من 1997م، ولم تجد الكلمة صداها بشكل كبير إلا أثناء رحيله عن هذه الدنيا الفانية، وأول نص مكتوب فيه ارتباط اسم المؤرخ النزيه بتحلية شيخ المؤرخين تعود إلى كتابي “تاريخ الجزائر المعاصر”، الذي طبع عام 2001م بدار البلاغ الجزائرية، ودار ابن كثير البيروتية، ومقدمة الكتاب الأولى مؤرخة في الجزائر، يوم الجمعة 17 رمضان 1421هـ/ الموافق لـ 13 ديسمبر 2000م. ثم أهديت كتابي حول المؤرخ محمد بن عمر العدواني كما يلي إلى شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم “سعد الله أٌهدي هذا الكتاب المتواضع” وطبع الكتاب في مارس 2002م/ 1423هـ، كما ظهر الإهداء في الطبعة الجديدة من كتابي الشيخ محمد بن عمر العدواني مؤرخ سوف والطريقة الشابية، ووقع تغيير بسيط في الإهداء وهو: إلى شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله أٌهدي هذا الكتاب عربون تواصل بين جيلكم المؤسس وجيلنا الطموح للسير على الدرب السليم”، طبع الكتاب طبعة راقية بدار كتاب الغد بجيجل لصاحبها الفاضل محمود ميراجي، كما ظهرت التحلية في دراستي في الكتاب التكريمي الذي أصدره مخبر الدراسات التاريخية والفلسفية، ولم أجد من حلاه بهذه التحلية، والله شاهد على ما أقول، وسعد الله أهل لكل خير لأنه من بنى للجزائر هذه الأهرامات الخالدة، تاريخ الجزائر الثقافي، تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية،أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، وعشرات الكتب المحققة والمترجمة إضافة إلى إبداعاته منذ بدأ يكتب القصيدة الحرة بتونس عام 1947م. هذا التحلية مع وصف فرنسا [بمغول القرن التاسع عشر والقرن العشرين] لصيقة بي في أعمالي وحصصي الإذاعية، ولن أتركها حتى ألقى الله سبحانه وتعالى وأنا أقول أن المواطن رقم واحد في هذه البلاد من أيام إنسان تيغنيف، أي من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد إلى إنسان الطاسيلي وجدتهم الخرافية تينهينان إلى اليوم، هو المواطن المؤرخ النزيه الذي حبب لنا الجزائر وكره لنا العودة إلى الجاهلية، مهما كان زخرفها هو مؤرخ الأجيال كما قال صديقي المرحوم إبراهيم مياسي وشيخ المؤرخين، وقدوة الباحثين الدكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، وجعل قبره روضة من رياض الجنة امتدادها على امتداد بصره يوم كان شابًّا يافعًا.
الموقف السابع: في ملتقى مؤرخ سوف مانعة الهارب الشيخ محمد بن عمر العدواني
يعود هذا الموقف إلى عام 1999م، فقد ذهبنا كعادتنا في عطلة الشتاء إلى بلدة الزقم ببلدية حساني عبد الكريم بوادي سوف، وكنت إلى جانب الدكتور إبراهيم لونيسي فحدثني عن رسائله إلى شيخ المؤرخين إلى الأردن، وأنه قد وصلته في هذا الأسبوع رسالة هامة فكان يحدثني بشوق كيف كان ينقل للدكتور وهو في غربته بأمريكا أو الأردن أخبار الجزائر في رسائل خطية، وفعلا أشار الدكتور سعد الله إلى جانب من هذه الرسائل مرة بالإشارة، ومرات أخرى بذكر أصحابها كنا نتذكر شيخ المؤرخين، ثم ذهبنا إلى رمال قمار وجربنا صعود هذا الجبال الكبيرة من الرمال الناعمة فقال لي لونيسي، هنا كان يلعب سعد الله في أيام طفولته وشبابه، ثم قال سأذكر شيئًا للدكتور عن زيارتنا هذه إلى قمار وسأذكر له تحديدًا من كان معي في لعبة الصعود والهبوط في تلال ورمال قمار الناعمة. ثم اقترح علينا الأستاذ مسعود كواتي والأستاذ مديني بشير زيارة قمار، بلدة شيخ المؤرخين وآل سعد الله، الأول لزيارة شقيقته، والثاني ليلقي نظرة على أهله وخاصة خاله أستاذ الفلسفة الذي نعرفه جمعًيا من كثرة زيارتنا إلى قمار، وفي أحيان أخرى كنا نزور الأستاذ الفاضل الذي حببه لنا الدكتور سعد الله خِلَّهٌ الوفي الشاعر الأديب الموسوعي محمد الطاهر التليلي، لقد كان يقرأ لنا بعض أعماله، كما كان يستشيره في كثير من غرائب المصطلحات وأسماء أعلام وهو يحقق تاريخ الشيخ محمد بن عمر العدواني، ثم عدنا إلى ديارنا بعد هذا الملتقى الخاص بالشيخ محمد بن عمر العدواني، وبالمناسبة فشيخ المؤرخين لا يحبذ هذه المشاركات الإخوانية.
الموقف الثامن: سعد الله الإنسان.. وقصة إرسال نسخة من أطروحتي للدكتوراه إلى تلمسان
يعود هذا الموقف إلى شهر ديسمبر 2002م، حينما جئت إلى المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954م ، لأقدم النسخة النهائية من أطروحة الدكتوراه إلى الأستاذ الدكتور عبد المجيد بوجلة ليحملها إلى تلمسان ومن هناك إلى أستاذي الخلوق الفاضل عبد الحميد حاجيات، ولما اقترب شيخ المؤرخين مني ليسلم علي في مكتب الكاتبات بالمركز الوطني للدراسات والبحث في تاريخ الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954م، سقط المجلد الأول فقال سعد الله رحمه الله، “فلما رأته حسبته لجّة وكشفت عن ساقيها”.
ثم قام الشيخ المتواضع برفع الجزء الذي سقط أرضًا وطلب ورقًا من الكاتبة، ثم ساعدني في لفه وتسليمه إلى الأستاذ بوجلة، فحمل المجلدين معه إلى تلمسان.
الموقف التاسع: أبو القاسم سعد الله.. القارئ الأبدي
لَبِّينَا دعوة مخبر الدراسات التاريخية والفلسفية بجامعة منتوري، بقسنطينة من أجل المشاركة في أعمال الندوة التكريمية التي أقامها المخبر للدكتور سعد الله، تحت عنوان هام “الأعمال التاريخية والأدبية والفكرية للدكتور أبي القاسم سعد الله في ميزان الباحثين الجامعيين يومي 12 و13 يناير/جانفي 2004م”، وبالمناسبة وحتى لا تفوت الفرصة فندونها، بعد أن كانت تتداولها الألسن شفويا، أن طلبة سعد الله الذين حضروا الندوة هم، الأول طالبه وصفيه الدكتور إبراهيم لونيسي، وطالبه الأول من أيام الدفعة الأولى للماجستير رغم أنه لم يشرف على أعماله هو العبد الضعيف [محمد الأمين بلغيث]، وفي اليوم الثاني أعتقد أنه اليوم الموعود لأقدم مداخلتي الموسومة بـ”أبو القاسم سعد الله محقق التراث الجزائري، عيِّنَة من التراث الجزائري” وفي حضرة المحتفى به، نهضت باكرًا كعادتي هيأت نفسي، أديت صلاتي، وكانت الساعة السادسة والنصف صباحًا قلت في نفسي هذا موعد الإفطار قد بدأ في نزل بانوراميك بقسنطينة، فنزلت الهوينى، فوجدت شخصًا واحدًا منعزلا يتناول إفطاره، فإذا به شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم سعد الله فألقيت عليه تحية الإسلام، واستأذنته في مشاركته هذه الطاولة فرحب بي، وجلسنا مدة طويلة، تحدثنا فيها عن عديد القضايا، ثم نهضنا، ونحن في طريقنا إلى غرفنا بالنزل، قلت له بالمناسبة يا أستاذ نكمل حديثنا في غرفتكم، قال لي لا يا سي بلغيث أنا ذاهب لأقرأ، فقلت له على سبيل النكتة وبدارجة جزائرية، نعم صحيح أنت تعرف أنني ختمت القراية[إشارة إلى مناقشتي للدكتوراه في شهر ماي 2003م]، أما أنت فلا تزال صغيرًا أقرأ على روحك؟ فتبسم وشدني من يدي وقال تعالى انظر إلى الطبعة المفاجئة التي وصلتني من دار الغرب الإسلامي لمجلة البصائر، فجلسنا مدة وتركته يلملم أشياءه في انتظار موعد السيارات التي ستنقلنا إلى قاعة المحاضرات.
الموقف العاشر: ملتقى عقبة بن نافع رضي الله عنه
حضرنا الملتقى الوطني الخامس [بسكرة عبر العصور]، أيام 11، 12، 13 ديسمبر 2006م، بالمركب الإسلامي بسيدي عقبة، وكان الدكتور شيخ المؤرخين من الحضور البارزين، وكانت اللجنة العلمية للملتقى قد أجمعت على تكريم الدكتور موسى لقبال رحمه الله، وكان الحضور من مختلف البلدان العربية من لبنان والمملكة العربية السعودية وتونس وليبيا، والجزائر طبعًا، ويبدو أن مستوى الملتقى لم يرق للأستاذ سعد الله، وهو ما عبر عنه صراحة في كلمته، وللأمانة أنا من أشرف على الجلسة الختامية للملتقى، وحدث أن وقع تغيير في التكريمات فبدلاً من تكريم الدكتور لقبال، برمجوا تكريمًا حافلاً للأستاذ سعد الله، فكان شيخ المؤرخين يجهل أسباب توتر الدكتور موسى لقبال، وطلب مني أعضاء الجمعية الخلدونية أن أتوسط لدى شيخ المؤرخين ليقول كلمة بالمناسبة، مناسبة التكريم، وبمناسبة اختتام الملتقى، الخاص بعقبة بن نافع رضي الله عنه.
قبل شيخ المؤرخين الأمر مكرهًا لحساسية الموضوع، وكلمته كلها واضحة في أنه لم يرض عن المداخلات التي قدمت في هذه الجلسة تمامًا، لكن للأمانة حضر شيخ المؤرخين الجلسة المسائية التي تداول على منصتها مجموعة من الباحثين ورأينا تململا من الدكتور سعد الله، [وقد ذكر لي أحدهم تبرم شيخ المؤرخين من جل المداخلات إلا مداخلتي أنا العبد الضعيف ومداخلة الدكتور مراد اليعقوبي التونسي، وقال كلامًا لا أعرف أن المؤرخ الخلوق يصدر منه]، والحقيقة للتاريخ أن شيخ المؤرخين يتعالى عن هذه المصطلحات، وقد أوردت هذا الموقف من شخصية كبيرة لا أملك إلا أن أصدقها ولكن ليس بهذه اللغة..
والحقيقة فعلا أن الأستاذ مراد اليعقوبي التونسي باحث متمكن من تخصصه، وباللغتين الفرنسية والعربية، تمكن من شد الحضور، بعربيته الجميلة، رغم أنه تخرج من السوربون، وناقش دكتوراه الدولة حول التاريخ الحربي لعصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما العبد الضعيف فقد قدمت مقاربة مقبولة حول شخصية كسيلة بن لزم الذي قاتل عقبة وقتل أصحابه في المعركة الشهيرة التي أدت إلى استشهاد من كان مع عقبة من الصحابة والتابعين ومن بينهم أبي المهاجر دينار.
الموقف الحادي عشر: اللقاء الخالد وصراحة شيخ المؤرخين الجزائريين
كنت على موعد يوم السبت 8 ديسمبر 2012م، مع الأستاذ بشير مديني، لما التقينا صعدنا إلى قسم التاريخ، ودخلنا مصلحة البحث العلمي فوجدنا شيخ المؤرخين مع طالبة من طلابه يقرأ ويصحح مذكرتها، لما دخلنا ترك ما كان يقرأ ورحب بنا ثم سألناه عن صحته فقال الحمد لله، وكان يبدو عليه الجهد والتعب وثقل السنوات، ثم مازحته أنا فقلت يا أستاذ أتممنا الجزء السادس من مسار قلم، ولم نجد أسماءنا، فقال مباشرة واقترب مني “هل تعرف يا سي بلغيث أن واحدًا من أبناء إخوتي قرأ أحد كتبي وحضر فهارسه، لما طبع الكتاب لم يجد اسمه مع الذين ذكرتهم في الكتاب أعرض عني غاضبًا إلى اليوم… وأخذنا صورة تذكارية مع شيخ المؤرخين سوف تكون ملحقة في ألبوم الصور والمستندات بإذن الله.
الموقف الثاني عشر: شيخ المؤرخين يودع الدنيا الفانية بالمستشفى العسكري
لا أنسى هذا الموقف، وأعلم قارئ هذه المواقف أنني لم ألتق بشيخ المؤرخين منذ يوم السبت 8 ديسمبر 2012م إلا عبر الهاتف، وكنت مع الدكتور محمد العربي معريش أول من رأى جثمانه الطاهر بعد أقرب المقربين له من أسرته، فقد دخلنا عليه بغرفة الانعاش، فنزعنا عنه الغطاء وقبله معريش أولا، ثم قبلته ثانيا ودعونا له المولى سبحانه وتعالى أن يتقبله في الصالحين، ثم أخذوه من جناح الانعاش إلى مصلحة حفظ الجثث وبقي هنالك إلى غاية إتمام الإجراءات الإدارية التي قام بها ابنه الوحيد أحمد في بلدية القبة، ثم سبقتنا سيارة الإسعاف إلى بيته دار الأردن، وهناك ألقى عليه أحبابه والمعزون النظرة الأخيرة وترحموا على روحه، وكان هذا آخر موقف مع شيخ المؤرخين رحمه الله، إذ هاتفني محمد العربي معريش صباحًا في حدود الثامنة والنصف من يوم السبت 14 ديسمبر 2013م، فقال لي عظم الله أجركم في شيخنا الدكتور سعد الله، فأخذت سيارتي رأسًا من بيتي إلى المستشفى العسكري بعين النعجة ولم أجد صعوبة هذه المرة في الولوج إلى المستشفى، وانتظرت طويلا ، أو هكذا بدى لي مجيئ الدكتور محمد العربي معريش، ثم دخلنا بهو جناح الانعاش، فوجدنا أم أحمد، وواحد من أبناء أخيه وواحد فقط من إخوته، وسألناهم عن مكان دفنه فطلبوا منا الانتظار، ثم أخبرونا بعد ذلك أنه سينقل إلى ڤمار ليدفن هناك بوصية منه، وطلب أن يترك بسلام دون أن تتدخل أي مؤسسة في دفنه.
وشهادة للتاريخ، فقد كان لنا الدكتور إبراهيم حمادة نعم المساعد، فقد عرفته قبل أن يكون طبيبًا ماهرًا وصاحب خلق كريم، فهو على درجة عالمية في معارفه التاريخية، وقال لي ونحن ننتظر خروج سيارة الاسعاف وحملها نعش الفقيد العزيز إلى أهله بدار الأردن بضاحية دالي إبراهيم بالجزائر العاصمة، قال لي كنت هذه المدة الأخيرة أشرف على صحة شيخ المؤرخين سعد الله وأستمع لك وأنت تتكلم بعاطفة جياشة عن رائد المدرسة التاريخية الأكاديمية في القناة الثقافية وفي برنامج |التاريخ يسجل”. فشكرته على إنسانيته وعلاقته الطيبة بأحمد نجل الدكتور سعد الله في هذه الفترة العصيبة.
سلام عليك يا شيخ المؤرخين في الخالدين وطيب الله ثراك فقد كنت نعم الرائد لأمته في حرصك على تنوير الذاكرة الجزائرية، وتنبيه الأهل وسادة البلد إلى ما يٌدار من وراء البحر من أجل تسفيه وطمس أعمال الصالحين من العلماء والمجاهدين العاملين من أبناء هذا الشعب المعوان على الخير.