مواليد جدد دون وثائق ومتوفون قابعون في مصالح حفظ الجثث بليبيا
فراغ دبلوماسي جزائري قاتل يقتل آمال الجالية الجزائرية المقيمة في ليبيا، الجالية التي يقدر عددها حسب آخر إحصائيات للخارجية الجزائرية منذ سنوات بـ 9000 مواطن يمارسون أعمالا حرة أغلبها في الميكانيك والحلاقة. وحسب لقاءات شخصية أجرتها “الشروق اليومي” مع جزائريين داخل المناطق الليبية، فإن أغلب هؤلاء اليوم ناقمون بشكل كبير على السلطات الجزائرية التي لم تعر أمنهم أي اهتمام بعد أن قررت سحب تمثيلياتها الدبلوماسية وغلق كل مكاتبها دون أي سابق إنذار، خاصة أن أغلب المقيمين في ليبيا اليوم انتهت مدة صلاحية جوازات سفرهم. أضف إلى ذلك أن معظم من التقيناهم كانوا قد تركوا جوازات سفرهم لدى القنصلية العامة في طرابلس التي أغلقت مكتبها وغادرت دون أن يتمكنوا من استردادها.
مكتبٌ قد يكون الحل
التحرك الأخير للخارجية الجزائرية وفتحها مكتبا خاصا بهم في مدينة قفصة التونسية، اعتبرته الجالية الجزائرية المقيمة في ليبيا إجراء متأخرا لا أمل فيه لبعضهم، خاصة أن معظمهم يقطنون داخل مناطق النزاع والمناطق العسكرية التي لا يمكن لأي مواطن أن يتحرك داخلها بحرية. فمثلا رشيد، الذي يسكن مع عائلته بمنطقة الزنتان، أخبرنا بأنه لا يستطيع التحرك مع أهله باتجاه الحدود التونسية لأن الطريق خطيرة جدا وتجبره على أن يمرّ بالجبهات الأمامية للقتال مثلا ما بين ورشفانة والعاصمة طرابلس، وهي الطريق التي كثيرا ما تغلق وتفتح فيها النيران، مثلها مثل كل الطرق المؤدية إلى الحدود مع تونس من كل النواحي. وردا على سؤال يتعلق بخروجه من الجهة الجنوبية أي الحدود الجزائرية مع ليبيا، أخبرنا أن هذا يكلفه حياته أيضا، لكون الجنوب تحت سيطرة ميليشيات مسلحة، خاصة أن القنصلية الجزائرية التي كانت موجودة في منطقة سبها، جنوب ليبيا، أغلقت نهائيا عام 2013 ما أغلق أمامهم أمل الحصول على جوازات السفر.
وإذا كان هذا حديث رشيد رب العائلة، فهو نفس حديث معظم من كانت لنا اتصالاتٌ بهم أيضا من طرابلس الذين يرون في منطقة الجنوب الحل، خاصة أنه تم فتح مكتب لهم على الحدود الجزائرية الليبية، لكن العائق الوحيد الذي يتبقى بالنسبة إليهم هو الناحية الأمنية، في ظل ما يشهده الطريق من سيطرة الميليشيات المسلحة التي كثيرا ما تتبع التنظيمات الإرهابية والإسلامية المتشددة. وهو ما وقفنا عليه بأنفسنا خلال وجود “الشروق اليومي” على الحدود الجزائرية الليبية بعد أن قطعنا الطرق غير الشرعية التي لا تدخلنا إلى المناطق التي تسيطر عليها هذه التنظيمات، غير أننا أدركنا وسجلنا فعلا خطورة على حياة الجزائريين الذين قد يرغبون في دخول بلادهم عبر الحدود الجنوبية قدوما من طرابلس أو الزنتان أو المناطق المتاخمة.
وهنا، علينا الإشارة إلى أن الجزائر فرضت قيودا على المعابر الحدودية وتسمح فقط بعبور المواطنين الجزائريين من ليبيا، والمواطنين الليبيين إلى ليبيا، خاصة بعد قرار قيادة أركان الجيش غلق كافة المعابر الحدودية مع ليبيا بصفة رسمية، كإجراء أمني احترازي، بسبب أعمال العنف التي تشهدها البلاد.
مبالغ بالملايين
ولا يختلف أمر الحصار كثيرا عمن التقيناهم في الشرق الليبي، فقد استغرب بعضهم من كيفية الذهاب إلى منطقة قفصة التونسية برا خاصة والظروف الأمنية المتردية التي تعيشها البلاد وغياب مؤسسات دولة رسمية قد تحميهم. وردا على سؤالنا عن عدم ذهابهم جوا، قال هؤلاء إن الإمكانات المادية لا تسمح لرب عائلة مكونة من خمسة أفراد على الأقل بالتنقل جوا ودفع تذكرة طائرة تفوق الـ 150 يورو للفرد الواحد، بل والأكثر من ذلك، يضيف كمال من منطقة البيضاء: “بعد وصولنا إلى العاصمة التونسية جوا علينا التنقل بعدها إلى مدينة قفصة، التي تقع في الجنوب الغربي التونسي، وتبعد عن العاصمة بـ 355 كلم، ليفرض علينا مكتب القنصلية، بعد دفع الوثائق، الانتظار لأيام تصل إلى أكثر من شهر، بربكم أين نبقى كعائلة خاصة أن تونس تعيش لهيب أسعار في كل شيء منها الكراء؟ الخارجية الجزائرية لم تفكر في وضعنا وبقائنا في دولة أخرى لأيام وكيفية انتقالنا حتى بين البلدين“.
من جهتها، آمال التي تعيش داخل ليبيا، منذ أكثر من عشرين سنة، أشارت إلى نقاط مهمة في غياب أي تمثيل دبلوماسي جزائري أو مكتب يتكفل بهم، فقد تحدثت عن إنجابها طفلا لم تجد كيف تسجله مثل بقية إخوته في القنصلية الجزائرية ليستفيد من وثائقه وحقه في المواطنة: “لست الوحيدة التي تعاني هذا المشكل، فعندما ألتقي باقي الجزائريات المقيمات في العديد من المناطق في ليبيا يخبرنني أنهن أنجبن، لكن أطفالهن لم يستفيدوا من التسجيل في القنصلية، ما يحرمهم من العديد من الحقوق، نحن فعلا مستغربات لقرار غلق أي مكتب خاص بنا، ما هو مصير أبنائنا اليوم؟!”
من جهته، فتحي، تحدث عن مشكلته التعليمية رفقة أصدقائه الطلاب الجزائريين المقيمين في ليبيا: “لا مكتب يمثلنا منذ سنتين تقريبا، ورغم أن العديد منا تخرج ولديه شهادات جامعية أو تعليمية من هنا، لكننا لا نجد من يصادق لنا عليها ليتم تسجيلنا بالمؤسسات التعليمية في الجزائر ليبقى مستقبلنا مجهولا وجوازنا محجوزا وتنقلنا مستحيلا في ظل هذه الظروف الأمنية، خاصة أن بعض الميليشيات لا تتفق مع الجزائر وتعاملنا باسم الهوية، وكثيرا ما سمعنا بميليشيات تعتدي على العائلات المسافرة وتسلبها أغراضها وممتلكاتها“.
“الشروق” كانت قد وقفت على حالة وفاة لمواطن جزائري داخل منطقة الزنتان طلب منا فيها شخصيا التدخل لإخبار عائلته في الجزائر، وإمكانية ترحيله إلى بلده لدفنه، لكنها الأمنية التي لم تتحقق، لتطبق مقولة إكرام الميت دفنه ويوارى الثرى بمقبرة الزنتان. وليست هذه الحالة الأولى لجزائريين يتوفون ويبقون داخل المستشفيات ومصلحة حفظ الجثث لأيام، في محاولة لسلطات المنطقة التواصل مع الجهات الرسمية الجزائرية، لكن الأمر يستعصي ويفشل دائما، لتضطرّ تلك الجهات إلى دفنهم ووضع علامات على قبورهم لتسليمهم إلى أهلهم ولو بعد سنوات.
3000 جزائري ينتظر تسوية وضعيته في ليبيا
من جهتنا، حاولنا رفع انشغالات الجالية الجزائرية المقيمة في ليبيا إلى السلطات المعنية، ليكشف لنا مصدرٌ رسمي رفيع المستوى أن العدد المقدر الآن من الجالية وصل إلى 3000 مواطن جزائري، في ظل غياب إحصاء رسمي نهائي، خاصة مع الظروف التي عاشتها البلاد منذ 2011. فهناك من توفي دون تسجيله، وهناك من سُجن، ومن وُلد، وغيرها من الأمور التي لا تسمح بتحديد الرقم الحقيقي للجزائريين المقيمين في ليبيا. كما كشف مصدرنا أن غلق مكاتب التمثيل الدبلوماسي، سواء السفارة أم القنصيلة، جاء لتهديد مباشر من قبل ميليشيات تعمل في طرابلس، وهو نفس الأمر الذي كانت “الشروق اليومي” قد كشفته حصريا في حواراتها السابقة مع أمراء في تنظيم “داعش” و“أنصار الشريعة“، الذين تحدثوا عن امتلاكهم لجهاز خاص يعمل على ضرب واغتيال واختطاف كل تمثيل دبلوماسي في ليبيا، وهو ما حدث مع السفارة الأمريكية والمصرية والأردنية والتونسية… وغيرها.
وعن فتح مكتب القنصلية في منطقة بعيدة عن الجالية الجزائرية مكلفة جوا وخطيرة برا عليهم، رد مصدرنا الرسمي بأن الجزائر كثيرا ما حاولت إيجاد حل للقضية داخل ليبيا لفتح ولو مكتب بسيط يدوم لأيام قليلة بغية إكمال إجراءات هؤلاء، ولكن بعض الأطراف الليبية حذرت من الموضوع في كل المناطق، ليضيف مصدرُنا أن البلاد دخلت في فوضى أمنية أكبر ولا توجد منطقة قد تستوعب هذا المكتب وتقدم له الحماية الأمنية اللازمة، سواء في الجهة الشرقية التي برلمانها ورغم التأمين المحيط به، إلا أنه تعرض للضرب ولعملية انتحارية، أم المنطقة الغربية المشتعلة بالحرب القبلية التي قد تدخل في تصفية حساباتها المكتب الجزائري، أم حتى جهة الجنوب التي تعيش على نار دفينة تحت رمالها الشاسعة وهي الخلايا الإرهابية النائمة والمجندة هناك، ما صعّب من كل النواحي فتح هذا النوع من المكاتب.
وعن آخر الإحصاءات المتعلقة بمن دفعوا واستفادوا من جوازات السفر في مكتب مدينة قفصة، صرح مصدرنا الرسمي رفيع المستوى أن مكتبهم استقبل إلى حد الساعة 800 ملف جواز سفر، من مختلف المناطق منها درنة– سبها– جادو– المرج– البيضاء– بنغازي– طرابلس– الجميل– الزاوية– غدامس… في انتظار أعداد أخرى تأتي حتى ليلا ويتم التكفل بها، خاصة أن المكتب يعمل حتى ساعات متأخرة من المساء ولا يغلق في وجه الجالية التي يعتبر توافدها قليلا نظرا إلى الظروف الأمنية التي تمر بها ليبيا.