الرأي

موتٌ في الحياة وحياةٌ في الممات

في سنة 1930 أعمى الطغيانُ والاستعلاء في الأرض بغير الحق أعينَ الطغاة الفرنسيين، فجاهروا بصليبية حاقدة، واحتفلوا احتفالات كبيرة، وأعلنوا في صفاقةٍ ودناءة أنّهم لا يحتفلون بمرور قرن على احتلالهم الصليبي للجزائر، ولكنّهم –زعموا- أنهم يحتفلون بتشييع جنازة الإسلام الذي لن تقوم له قائمةٌ في الجزائر.

وتحرَّك أحياءُ المشاعر، أيقاظُ الضمائر، أولو الأبصار والبصائر، وأسّسوا جمعية ظنّها الفرنسيون وأذنابُهم أنّها كواحدةٍ من الجمعيات، فرخّصت لها فرنسا، فكان هذا التأسيس هو المسمار الأكبر في نعش الصليبية الفرنسية في الجزائر.

ظنّت فرنسا أنّها إن استحوذت على رئيس هذه الجمعية –وهو الإمام عبد الحميد ابن باديس- فقد قضت عليها وعلى مشروعها: “الإسلامُ دينُنا، العربية لغتُنا، الجزائر وطنُنا”.

أوحى شيطانُ الجنّ إلى أخيه شيطانِ الإنس المسمّى جان ميرانت، مدير الشؤون الأهلية في الولاية العامّة الفرنسية في الجزائر، بأن يضغط على الإمام ابن باديس بوالده الذي كان في ضائقةٍ مالية شديدة، فإذا خرج الإمامُ من الجمعية ماتت بخروجه.

استدعى هذا الشيطانُ الإمامَ ابن باديس ووالدَه وأخاه من دون أن يعلم الإمامُ باستدعاء والده، ولما مثُل أمام ميرانت، قال هذا الشيطان: إنّ أباك في ضائقةٍ مالية تؤدي به إلى الإفلاس، ولا مخرجَ له من هذه الضائقة إلا أنت يا عبد الحميد..

استغرب الإمامُ قولَ هذا الشيطان، وسأله: وماذا عليَّ أن أفعل؟

رسم الشيطانُ الإنسيُّ ابتسامة خبيثة على شفتيه وقال للإمام: تترك رئاسة جمعية العلماء، ولا تعمل معها. وتدخَّل الوالد مستعطِفا ابنه ليُنقذه بقبول اقتراح الشيطان، فقال الإمامُ: سأجيبك أيّها المديرُ برسالة. وغادر المكتب.

رجع الإمامُ إلى قسنطينة، وكتب رسالة إلى الشيطان ميرانت جاء فيها: “إني نظرتُ في ما عرضتموه عليَّ من لزوم الانسحاب من الجمعية، فرأيتُ أنّني بانسحابي منها أكون قد أيّدتُ أضدادي، وانقلبتُ على أحبابي… وفي هذا الانتحارُ المعنوي والموتُ في الحياة؛ وشرُّ الموت موتُ الحياة، وإني أستطيع أن أموت الموتَ الحقيقي مرةً واحدة، ولكني لا أستطيع أن أموت موت الحياة، ولهذا قرّرتُ ألا أنسحب من جمعيةٍ ما دخلتُها إلا لقصد الخير”. وقد سلّم الإمامُ الرسالة إلى أحد طلبته –عبد الحفيظ الجنّان- ليضعها في البريد. ذكر هذه القصةَ الشيخ محمد الصالح ابن عتيق في كتابه: “أحداث ومواقف في مجال الدعوة الإصلاحية والحركة الوطنية”.

وأما نصُّ الرسالة فقد عثرتُ عليه عند ابن الشيخ أحمد قصيبة في مدينة الأغواط.

لقد أبى على الإمام دينُه وشرفُه أن يكتب اسمه في سجلّ الخائنين لله ولرسوله ولوطنه ولقومه، ورفض أن يموت الموتَ المعنوي في الدنيا، فلمّا التحقت ورقاؤُه بعالمها الأسمى، سُجِّل اسم الإمام في سجلّ الخالدين، وهانحن نذكره في كلّ عام. وقد أخبرني أحدُ الإخوة، وهو من بجاية ومقيم في كندا، بأنهم جمعوا مبلغا من المال واشتروا قطعة أرض في الفلبين وأسّسوا فيها مسجدا سمّوه مسجد عبد الحميد ابن باديس، ولا يذكر أحدٌ اسم الشيطان ميرانت.

مقالات ذات صلة