الرأي

موت الحب..!!

مروان ناصح
  • 3588
  • 1

يتفجر الحزن الطاغي في أعماق إحدى الشخصيات النسائية العديدة في مسلسل “عصيّ الدمع” الذي كتبته امرأة مثقفة هي “دلع الرحبي”، وأخرجه زوجها “حاتم علي”، فتصرخ بدموع غزيرة.. فقد اكتشفت _ فجأة..!! _ أنْ لا جدوى من المكابرة، ولا قيمة أو معنى لكتمان السر، وكلّ ذلك أمام شقيقة الحبيب _ الزوج “الخائن” الذي هشم جدران البيت الزوجي بفأس “الحرية”، وانطلق إلى حياة جديدة، مع امرأة أخرى، بعد سنوات من الحب الحالم، والزواج الهادئ الذي أثمر فتىً مدللاً هو الآن في السن الخطرة؛ سن المراهقة:

كيف ذهب ذلك الحبُّ الكبير “الصادق”..؟!! أين اختفت الوعود والعهود والأحلام “المشتركة”؟!!.. لماذا يظنُّ الرجال أن الزوجة لا تصلح لشيء سوى الانجاب والمطبخ.. أمّا الحب والغرام فهو للعشيقات ومحظيات المغامرات العابرة..؟!!

وبينما انهمكت شقيقة الزوج “المجرم” تؤدي دورها “الإنساني” – النسائي، في التعاطف والمواساة، كما رسمته المؤلفة الساخطة على الرجال، راحت عشرات الأفكار، والمواقف، وحتى القصائد، تتقافز في رأسي كالقرود في غابة..!! فها هو ذا شاعر “الرجال العرب” الذي تمكن بمهارة فائقة من ارتداء قناع “شاعر المرأة”..!! يتصدى لإجابة تلك المرأة “الدرامية” عن أسئلتها الوالهة، بوقاحة صارت ذات يوم “مرغوبة” حتى من النساء أنفسهن..!! يقول نزار قباني:

 بردت قهوتنا

وانتهت قصتنا

وانتهى الحب الذى كنت أسميه عنيفا

عندما كنت سخيفا..!!

فالمسألة إذن ليست أكثر من قهوة كانت شهية وهي ساخنة.. ثم أصبحت ممجوجة بعد أن غدت باردة، لا يستطيبها “متذوق” محترف كالرجال.. مع أن هذا الرجل “المقنع” يناقض نفسه، إذ تحدث في مكان آخر، بلسان “رجل” محكوم بالحب المؤبد مع الأشغال الشاقة، كما تخبره قارئة فنجان غجرية:

جلست.. والخوف بعينيها

تتأمل فنجاني المقلوب

قالت: يا ولدي لا تحزن

فالحب عليك هو المكتوب!!”

وها هي ذي تصاوير تعود إلى القرن 18 تزاحم “شاعر المرأة” في رأسي: إحداها تصور امرأة تراقب عن كثب كلباً مهيباً، وقد كتب تحتها: (الصداقة لا تخشى الزمن)..!! وتحت صورة لزورق يتهادى عبر نهر براق المياه، يجلس فيه الزمن في هيئة رجل عجوز، ويجدف به كيوبيد “ملاك الحب المجنح” نقرأ: (الحب يجعل الزمن يمضي)!! وفي لقطة أخرى للزورق نفسه وقد نام فيه كيوبيد نوماً عميقاً، ويقوم فيه الزمن العجوز بالتجديف، نقرأ: (الزمن يجعل الحب يمضي)..!!

وثمة صوت أليف يتعالى في رأسي، لشخص أحببته هو “براس كوباس” بطل الرواية التي تحمل اسمه للكاتب البرازيلي “ماشادو دو أسيس”.. فقد كان يردد _ كلّما فكّر بالنساء اللواتي أحبهن _ كلمات بسيطة.. لكنها جديرة بالتأمل: (.. كما لو أن هذه الأسماء والشخوص لم تكن سوى مظاهر لانفعالاتي الخاصة)..!!

وأصغي من جديد لأسئلة المرأة المطلقة في مسلسل “عصي الدمع” الغارق في الدموع..!! وهي النموذج الأول الذي تجسد الكاتبة من خلاله “موت الحب” بين المثقفين.. فالزوج الهارب “موسيقي” شهير، لا يكف عن التشبه بكبار الموسيقيين العباقرة في العالم.. حتى في غرابة أطوارهم، وتقلب أمزجتهم، وجفاف عاطفتهم نحو أبنائهم دون تفسير يقبله العقل.. أو المنطق المألوف..!! فإذا انتقلنا مع المؤلفة إلى نموذجها الثاني لموت الحب عند الناس “العاديين”.. فسنجدها وقد ارتدت مسوح واعظ “ميلودرامي” يمتلك كل وسائل الإيضاح اللازمة، للتعريف بالضحايا الذين سيدفعون فاتورة الفشل في الحب..!! وأول هؤلاء الضحايا هم الأطفال.. حيث يستمتع الآباء بأكل الحصرم.. ليضرس الأبناء، بعد ذلك، جراء التمزق الأسري.. واهتراء الأحذية في أروقة المحاكم..!! والنكايات الغبية المتبادلة بين قطبي “الحب الذي كان”..!! أما ثالثة أثافي “الحب الضائع” فنجدها _ عند المؤلفة _ مختلطة بمكونات المسألة التي ما تزال شائكة في المجتمعات العربية: المرأة العاملة، وحق العمل الذي يشكل عنوان تحررها، ومساواتها “التامة” بالرجل!! والعقبات “القديمة” التي تعترضها، والعراقيل التي توضع عمداً في طريقها، و”الخيانات” التي تمارس عليها، وأولها خيانة “الرجل” الذي يبدي لها كل “تفهم” لقضيتها، ويملأ أصابعها بخواتم الأمل، وأذنيها بأقراط “الثقة”..!! ولكنها حين تثقب أذنيها، وتتلفت حولها.. فإذا هو “فص ملح وذاب” كما يقول المثل الشعبي العريق..!! وتختار المؤلفة لهذا النموذج امرأة تعمل “قاضية” في سلك العدالة.. و”العدالة” مفقودة حتى في بيتها..!! وميزانها “مائل” بشكل فادح مع زوج لا يعرف حتى كيف يتخلص من وعوده العاطفية” وتبعاتها “الباهظة”..!!

ومع إعجابي بالمهارات الدرامية للكاتبة؛ إذ استطاعت أن تقدم لنا عملاً مشوقاً ينبض بالحياة، ويمتح الكثير من صوره، وتفاصيله الجزئية الساخنة، وحواراته الرشيقة، من صلب يومياتنا العربية.. غير أنني لا أستطيع أن أميز بين عملها هذا، والأعمال الدرامية الأخرى التي كتبتها نساء عربيات أخريات.. من حيث عجزهن عن فهم “طبيعة الحب”، ولمس معنى الإصرار على الحب عند الرجال والنساء، وابتكار ضربة ريشة جديدة، في لوحة “ذبول الحب”، واضمحلاله، وتحولاته..!! فما من مرة شاهدت فيها مسلسلاً لكاتبة عربية.. إلا نهض أمامي وجه الفيلسوف الصيني “تشونغ تسو” الذي عاش في القرن 4 قبل الميلاد، وحلم يوماً بأنه فراشة.. وعندما استيقظ.. لم يعد يعرف إن كان هو الرجل الذي حلم بأنه فراشة.. أم أنه فراشة تحلم الآن بأنها رجل..!!

مقالات ذات صلة