موت واقف!
المطلوب أنه كلـّما عاد الخامس جويلية، التوقف والتنفـّس، وقبل ذلك، الاستماع مطولا وبكلّ اهتمام للجيل الذي عاش وعايش المراحل التي سبقت الـ 51 سنة من الاستقلال، وبالفعل”ما يحسّ بالجمرة غير ألـّي كواتو”، فجزائر ما قبل 62 هي غيرها ما بعد هذا التاريخ الفاصل والحاسم من التاريخ.
51 سنة لا تساوي شيئا في عمر الأمم والدول والمجتمعات، فقد أنجز الجزائريون ما يجب الافتخار والاعتزاز به، لكن هذا لا يعني أن كلّ الأمور على ما يُرام، بل علينا جميعا أن نقول ونتمنى أن هذه الأمور ستصبح على ما يُرام في يوم من الأيام إن شاء الله.
علينا جميعا، كلّ في موقعه ومنصبه ووظيفته، وبعيدا عن الحساسيات وتصفية الحسابات وعقلية جمع الغنائم أو البحث عن “القمل في راس الفرطاس”، أن نقيّم الأخطاء والخطايا قبل أن ننادي ونغالي بـ”الإنجازات” والمكاسب، ونبحث عن الحلول والبدائل ومخارج النجدة حتى لا نضيّع المزيد من الوقت فنقضي على عدوى “كل عطلة فيها خير”!
لا ينبغي أبدا أن ننسى مآسي ومعاناة ومقاومة الأوّلين، من آبائنا وأجدادنا، ومن الجُرم والخيانة أن نتناسى حتى وبدون قصد تضحيات المليون ونصف مليون شهيد، فآه وآه وآه عندما نستمع لشهادات الناجين والمجاهدين والباقي المتبقي من شهود العيان الذين رافقوا الثورة التحريرية، وما سبقها وما لحقها من إرهاصات وتداعيات وفاتورة غالية باهظة الثمن.
عندما اشترطت فرنسا على لسان وزير في حكومتها، “انقراض” جيل الثورة لتحسّن العلاقات بين البلدين، كانت تـُدرك ما تقول، حتى وإن هي متيقنة بأن كلّ الجزائريين هم الشيخ بوعمامة والأمير عبد القادر والعربي بن مهيدي وديدوش مراد وسي الحواس وزبانة وعلي لابوانت الذي مات واقفا.
إن جيل الاستقلال هو في كلّ الحالات امتداد تاريخي وطبيعي لجيل الثورة، وبالتالي فإن الجسور الجزائرية التي تربط بين الجيلين منذ 51 سنة من الاستقلال، تظلّ صامدة واقفة في وجه محاولات التفجير والتلغيم والإساءة والإهانة والتطاول والتحامل والتآمر، حملات كلها اصطدمت بالعمق الجزائري الذي يحيا بالكبرياء.
عقدة الفرنسيين أنهم مازالوا يحنـّون إلى الماضي الذي يشهد على جرائمهم الاستعمارية، ومازالوا ينظرون في المرآة العاكسة التي تـُظهر لهم تلك “المستعمرة القديمة” التي حرّرها شعب الأخيار بثورة الأحرار والشهداء الأبرار، بعد 132 سنة من الاستيطان والاحتلال الغاشم.
لم نحقـّق إلى حدّ الآن، كلّ الأهداف، وهذا ليس عيب أو عار، لكن لا يجب للمطبّات والعوائق والعراقيل، أن تحبس أنفاسنا وتقتل روح المبادرة والإرادة في دواخلنا، بل عليها أن توحّدنا وتجمع شملنا وترفع وتيرة عملنا وجهدنا حتى نحقق خلال الخمسين سنة القادمة ما لم يتحقق خلال الخمسين سنة الماضية، حتى لا يصبح التقييم السلبي للسنين حتما مقضيا!
مصيبتنا أن المدرسة والمسجد والإعلام والتأريخ والشارع، وغيرهم، لم يعودوا ظلاّ يعكس ما ينبغي أن يعكسه الواقع، وعندما يصبح جزء من الجيل الجديد “جاهلا” بالأحداث والمتغيرات التي صنعها الجيل الأول، فعلينا أن ندقّ ناقوس الخطر قبل أن ينهار والعياذ بالله السقف فوق رؤوسنا، فنضيّع الجمل بما حمل..وصدق من قال: الحمد لله مابقاش الاستعمار في بلادنا.