-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“موزر” في كتابه الأخير: العقل الغربي لم يعد يؤمن بـالصهيونية!

“موزر” في كتابه الأخير: العقل الغربي لم يعد يؤمن بـالصهيونية!

انتقل تأثير طوفان الأقصى من الساحات السياسية والإعلامية والقانونية والاستراتيجية والاقتصادية، إلى التأثير على البنية الفكرية للعقل الغربي ذاته، ولعله أكبر تأثير يحدث على هذا العقل عبر التاريخ في مجال الموقف من فلسطين. لم تعد الأجيال الجديدة في الغرب تقف ضد الصهيونية وضد “اسرائيل” وتُعارض احتلال فلسطين فحسب، بل باتت تُعبِّر عن قناعاتها بذلك من خلال الحجج التاريخية والبحث في بدايات ونهايات الحركة الصهيونية اليوم وارتباطها بالكيان الاسرائيلي.

فقط هم بقايا الجيل الذي وُلد في النصف الأول من القرن العشرين وبعض مناصريهم اليوم الذين مازالوا يُصدِّقون الفكرة الصهيونية ويُعبِّرون عن قناعاتهم الصريحة بحتمية وجود الدولة العبرية. لقد انهارت السردية المعاصرة للوجود الإسرائيلي! وبدل ذلك التعاطف الناتج القائم على تزييف الحقائق الذي ساد في منتصف القرن الماضي لتبرير وجود هذا الكيان، أصبحنا اليوم نعيش موجة من الاستياء والرفض لهذا الوجود والتساؤل عن مدى شرعيته من الأساس. والأهم في كل ذلك أن باحثين وناشطين يهود ومسيحيين هم من باتوا يتبنون هذا الطرح، ولم يعد كما كان في العقود الماضية مقتصرا على أعداد قليلة منهم أو على جزء من النخبة في البلاد الإسلامية. لقد انقلبت الآية اليوم. النخب الغربية ذاتها هي التي أصبحت تتبنى هذه الأفكار وتدافع عنها. وما استمرار علاقات التعاون والدفاع عن الكيان ومدِّه بالمال والسلاح إلا نتيجة سيطرة نخبة حاكمة تنظر لـ”اسرائيل” على أساس أنها تخدم مصالحها الجيواستراتيجة والاقتصادية، أي أن الدعم القائم على أسس عقائدية وقناعات فكرية بدأ يتراجع مقارنة بالدعم الذي تُمليه المصالح الاقتصادية والعسكرية والبحث عن الهيمنة. وهي الورقة التي مازالت تستثمر فيها جماعة “نتن ياهو” اليوم وتستخدمها بشكل واسع لإقناع الأمريكيين وجماعة التطبيع الذين لديهم مصالح مشتركة معها، وخاصة رموز المسيحية الصهيونية التي مازالت تتحكم في كثير من مراكز القرار في الولايات المتحدة وبعض الرموز العربية الموالية لهم.

ومن بين أهم الإنتاجات الفكرية والتاريخية التي ظهرت في 22 سبتمبر الماضي وتدعم هذه الحقيقة، كتاب “معاداة – الصهيونية، تاريخ يهودي” لصاحبه “بنيامين موزر”، وهو من ديانة يهودية. يطرح هذا الكتاب أن الصهيونية تحولت اليوم إلى فكرة منبوذة لدى غالبية الأمريكيين بعد أن كانت تحظى مع “اسرائيل” بولاء بديهي في منتصف القرن الماضي، كما تحول النقاش اليوم من اعتبار ما يسمى بمعاداة الصهيونية موجَّها ضد اليهود و”إسرائيل” إلى اعتباره أحد منطلقات دعم نشأة هذا الكيان، بل إن المؤلف يتحدث عن “هرتزل” مؤسس الصهيونية وعن “بلفور” صاحب وعد إقامة الدولة العبرية باعتبارهما معاديان للسامية! مُبرِزا أنهما معا، كانا يسعيان لتخليص أوروبا من اليهود وتهجيرهم إلى أي مكان آخر من الأرجنتين إلى أوغندا إلى فلسطين أو إلى أي جزيرة نائية يجعل أوروبا تتخلص منهم. وليس صحيحا أن تيودور هرتزل في كتابه الدولة اليهودية 1896 كان يستهدف مكانا بعينه، بدليل أنه لم يُخصِّص سوى ثلاث فقرات من كتابه لمكان الهجرة. كل ما كان يريده هو تخليص أوروبا من اليهود، حتى وإن كان ذلك في جزيرة خالية على طريقة روبنسون كروز كما كان يفكر! وقد عزَّز مؤلف هذا الكتاب نتائجه بوثائق تاريخية. ذات الأمر بالنسبة لـ”بلفور” الذي وعد اليهود بوطن قومي في فلسطين، يقول الكاتب أن ذلك كان من منطلق التخلص منهم بعد أن أصدرت الحكومة التي كان يترأسها في 1905 قانونا يمنع اللاجئين اليهود من الوصول إلى إنجلترا، وهو في نظر الكاتب أكبر عمل معاد للسامية منذ أن طرد الملك إدوارد الأول اليهود من إنجلترا عام 1290!

وبغض النظر عن النقاش الذي يمكن أن تثيره مثل هذا الآراء، والدوافع التي تُحرّكها اليوم، فإن طرحها بهذه الصيغة وتحميل المسؤولية لأولى الاغتيالات السياسية التي تمت سنة 1924  بمدينة القدس لأحد مؤسسي “اسرائيل” فيما بعد ـ إسحاق بن تسفي (ثاني رئيس إسرائيلي) – حيث  أمر باغتيال الكاتب اليهودي المهاجر من هولندا يعقوب ديهان، لأنه رفض إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين! يجعل الاتجاه الجديد الرافض للوجود الاسرائيلي من الغربيين عامة واليهود بالتحديد، يُبرز لنا أبعاد التحول القادم في المنطقة ويجعل التطبيع الذي يُبشِّر به البعض اليوم وبِانتصاراته القادمة وهما على وهم…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!