الرأي

موقف مسيحي جدير بالاحترام

صالح عوض
  • 2144
  • 0

لم تكن فتوى الفاتيكان عقب نكبة حزيران جوان 1967 ببراءة اليهود من دم المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام بريئة..نعم نحن المسلمين نعتقد ونؤمن بأنهم” لم يقتلوه ولم يصلبوه ولكن شبه لهم”..ونحن نؤمن كذلك بان” كل نفس بما كسبت رهينة” فنحن لانقبل برواية القتل اصلا..

فعيسى كان حجة في ميلاده وحجة في ارتفاعه لاتجري عليه كثير من قوانين البشر العاديينولا نقبل ان نأخذ الأبناء بجريرة الاباء هذا حتى لو صدقت الرواية بان اليهود اشتركوا في القتل.. ولكم تمنينا ان ينتهي هذا الانحراف الإنساني العنصري بإلقاء التهمة على اليهود بذنب اقترفه اجدادهم الاولين الامر الذي كلفهم تضحيات رهيبة وتعرضوا بسبب تلك الدعوى الى تطهير عنصري من قبل الغربيين في امريكا واوروبا لاسيما في المانيا.. وكنا ننتظر ان ياتي بابا ثوري فيعلن ان يهود العالم ابرياء من دم “المسيح” لكننا ندرك أية جغرافيا للكلمة جعلت يومذاك حول موقف الفاتيكان؟..انها جغرافيا الدعم بكل معانيه للعدوان الصهيوني على الدول العربية.. وتحطيم اخر حاجز نفسي شعبي مسيحي حول اليهود الغزاة وذلك لهدف سياسي.

من هنا بالضبط تأتي اهمية البيان الختامي لمؤتمر الأساقفة الكاثوليك المجتمعين في روما الذي دعا لوضع حد للاحتلال الإسرائيلي، وخرج بتصريحات من شانها تقويض الأساطير الصهيونية .. وهكذا تكون المؤسسة المسيحية في بعض مستوياتها قد تحررت من الاجندة الاستعمارية الغربية ونظرت الى المشهد بعين انسانية .. فلقد اكتنز الغرب  الثقافي التقليدي رؤية متناقضة نحو اليهود فمن جهة ينظرون اليهم كقتلة المسيح او الواشين به الى الرومان ومن جهة اخرى يدعمونهم بقوة ضد العرب المسلمين .

من هنا يكون هذا المؤتمر الذي استغرق أسبوعين نوعيا بتجاوزه المسألة التاريخية بملابساتها ليتحدث بفصاحة حول الواقع بلغة إنسانية.. فقد خلص أساقفة كاثوليك إلى دعوة المجتمع الدولي، وخصوصاً الأمم المتحدة، إلى العمل على “وضع حد لاحتلال الأراضي الفلسطينية“.

وقال المطران كيرل سليم بسطرس، أسقف كنيسة الروم الكاثوليك في الولايات المتحدة في البيان الختامي للمؤتمر الذي عقد بروما: “نحن المسيحيين لا يمكننا الحديث عن «أرض الميعاد» كحق حصري ومطلق للشعب اليهودي.. فقد أبطل هذا الحق بمجيء المسيح.” وأضاف قائلاً: “لم يعد هناك شعب مختار، فكل الرجال والنساء من كافة الدول أصبحوا شعباً مختاراً“.وأضاف المطران: إن إسرائيل تستخدم «الكتاب المقدس لمواصلة احتلال المناطق الفلسطينية»، وأضاف أنه «لا يمكن استخدام الكتاب المقدس لتبرير عودة اليهود وتهجير الفلسطينيين“.

لقد كان هذا الموقف أهم مواجهة نظرية عقائدية تتصدى للفكرة الصهيونية والمشروع الصهيوني والكيان الصهيوني.. ذلك لان الاختراق الصهيوني للكنيسة الغربية يجد من يتصدى له ويعري الادعاء الصهيوني وينسف الرواية الصهيونية التي حولت البشر جميعا الى خادمين لليهود.  ولهذا جاء التنديد الإسرائيلي ببيان الأساقفة، ووصفت بيانهم بأنه «افتراء» وقال نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، داني أيالون، في تصريحات نقلتها عنه شبكة “سي إن إن”ـ “إننا نعبر عن خيبة أملنا بأن يصبح هذا المؤتمر المهم منبراً للهجوم السياسي على إسرائيل في سياق الدعاية العربية الموجهة .

وأضاف قائلاً: “إن المؤتمر تعرض للاختطاف على أيدي غالبية مناهضة لإسرائيل.” وأشار أيالون إلى تصريحات الأساقفة الكاثوليك الذين قالوا إن “إسرائيل ليست أرض الميعاد لليهود.” وقال أيالون: “لقد شعرنا بالصدمة من تصريحات ولهجة بسطرس على وجه الخصوص في مؤتمره الصحفي”. وتابع يقول: “إننا ندعو الفاتيكان إلى النأي بنفسه عن تصريحات المطران بسطرس التي تشكل افتراء بحق الشعب اليهودي ودولة إسرائيل، وينبغي ألا يتم طرحها باعتبارها الموقف الرسمي للفاتيكان.” وأضاف: “ويجب ألا تلقي هذه التصريحات العدائية بظلالها على العلاقة المهمة بين الفاتيكان ودولة إسرائيل والشعب اليهودي“.

لم تأت كلمة واحدة من الاسرائيليين ردا على ما جاء في البيان من أفكار..فالبيان ذكر بان البشر جميعا الشعب المختار وليس اليهود فقط..فلماذا لم يرد قادة اسرائيل بالرفض على هذا إن كان لا يرضيهم..او ان يعلنوا موافقتهم عليه ان كانوا حقا يقتنعون بان البشر سواسية..انهم بدلا من ذلك راحوا يهاجمون رجال الدين المسيحيين..وهنا تظهر عنصرية متمكنة من قادة اسرائيل..وتباعا لذلك هل يمكن ان يستخدم كتاب الرب سبحانه في تزويد بعض البشر ضد البعض الأخر بأسلحة عقائدية وإذن للتطهير العرقي..؟ كيف يمكن للرب والتوراة أن يأذنا لليهود بطرد السكان الأصليين ويقوموا بعمليات تطهير عنصري ..انه تشويه كبير للدين وافتراء على الرب..هكذا اراد الاساقفة ان يقولوا..والملفت المهم في هذا الصدد ان الاساقفة جعلوا من المسيح والانجيل والكتاب المقدس مرجعية لموقفهم وهم بهذا يستطيعون تعميم الموقف ليكون موقف القطاع الواسع من مسيحيي العالم.

ان هذا الموقف المسيحي جدير بالاحترام.. نحن نشعر بنعمة الاخوة الوطنية والقومية عندنا في فلسطين وبلاد الشام فالمسلمون والمسيحيون يعيشون في مواددة واحترام وشعور باخوة الوطن ولقد ضربوا من الامثلة في التعايش الانساني القائم على السلم الاجتماعي اروعها..ولقد صدق الامام علي كرم الله وجهه عندما قال : الناس اخوانك اما في الدين او في الخلق.

ان الضربة المعنوية التي تلقاها الكيان الصهيوني من تصريحات هؤلاء القساوسة المحترمين سيكون لها ما وراءها من مواقف شعبية وسياسية على المستوى العالمي في عزل العنصرية واعادة الناس الى منابع الانسانية العذبة..تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة