الرأي

مولود قاسم نايت بلقاسم: حين يلتقي الفكر بالمسؤولية الوطنية

عبد الله لاطرش
  • 644
  • 0

ليس من السّهل في تاريخ الدّول الحديثة أن نعثر على شخصية جمعت بين عمق التّكوين الفكري، وصلابة الموقف الوطني، والقدرة على تحويل الأفكار إلى سياسات عمومية ذات أثر ثقافي طويل المدى؛ غير أنّ المفكّر الجزائري مولود قاسم نايت بلقاسم يمثّل أحد تلك النّماذج النّادرة التي تجاوزت الفصل التّقليدي بين المثقّف ورجل الدّولة، فكان في آن واحد وزيرًا مثقّفًا، ومثقّفًا سياسيًا وطنيًا منتجًا.

أولا- تكوين معرفي ومشروع حضاري

تكوّن مولود قاسم تكوينًا موسوعيًّا جمع بين الثّقافة العربيّة الإسلاميّة والفكر الفلسفي الغربي، وهو ما منحه قدرة استثنائيّة على التّحليل والمقارنة والنقد، ولم يكن انفتاحه على الفلسفات الحديثة على حساب انتمائه الحضاري، بل كان يرى أنّ الأصالة شرط للإبداع، وأنّ التحديث لا يكون بالتّقليد بل بالتمثّل الواعي.

ومن أشهر أفكاره التي ظلّ يردّدها في محاضراته أنّ الأمّة التي تفقد لغتها تفقد روحها وتاريخها وقدرتها على الاستمرار، معتبرًا اللّغة ليست مجرّد أداة تواصل بل حاملة للذّاكرة الجماعيّة والرّؤية إلى العالم، هذا الوعي العميق بالبعد الثّقافي للسيّادة جعله ينظر إلى الاستقلال باعتباره مشروعًا حضاريًا لا يكتمل إلا بتحرير العقل والوجدان.

ثانيا- من الفكر إلى الفعل: الوزير صاحب الرّؤية.

حين تولّى وزارة الشّؤون الدّينية، لم يتعامل مع المنصب بوصفه موقعًا إداريًا تقنيًا، بل باعتباره أداة لإعادة بناء العلاقة بين الدّين والمجتمع والدّولة، فعمل على ترقية دور المسجد كمؤسّسة توجيه وتربية، وربط الخطاب الدّيني بقضايا الهوّية والعمل والأخلاق العامّة، في زمن كانت فيه الدّولة الجزائرية في أمسّ الحاجة إلى بناء مرجعية ثقافية جامعة بعد الاستعمار.

لقد كان مقتنعًا بأنّ المجتمع لا ينهض بالقوانين وحدها، بل بمنظومة قيم تُغذَّى بالتربيّة والثّقافة والقدوة، ولذلك لم يكن خطابه الدّيني منفصلًا عن الرّهانات الاجتماعية والسّياسية، بل كان جزءًا من رؤية شاملة لبناء الإنسان الجزائري.

ثالثا- مثقف سياسي لا سياسي مثقف.

كثيرون هم السّياسيون الذين يستعينون بالمثقّفين، وقليلون هم المثقّفون الذين يدخلون السّياسة حاملين مشروعًا فكريًّا واضح المعالم؛ ومولود قاسم ينتمي بوضوح إلى الفئة الثّانية. فقد ظلّ يعتبر أنّ السّياسة بدون فكر تتحوّل إلى إدارة يومية بلا أفق، وأنّ الفكر بدون مسؤوليّة عامّة يبقى حبيس الكتب والمنابر.

ومن العبارات التي تعكس رؤيته الإنسانيّة العميقة، موقفه من النّزعات القوميّة الضّيقة، حين كان يؤكّد أنّ الانتماء الحقيقي لا يناقض البعد الإنساني، وأنّ التفاضل بين البشر لا يكون بالعرق ولا باللّغة بل بالقيم والعمل، وهو موقف يجمع بين الاعتزاز بالهويّة الوطنية والانفتاح على البعد الكوني للأخلاق.

رابعا- خطاب تربوي عميق ونقد للانحراف الثقافي.

لم يكن مولود قاسم خطيبًا سياسيًا بالمعنى التّقليدي، بل كان مربّيًا فكريًا يتوجّه إلى العقل والضّمير معًا، وكان كثيرًا ما ينبّه إلى خطورة الانحدار القيمي في المجتمعات، معتبرًا أنّ النّماذج السلبيّة تنتشر أسرع من النّماذج الإيجابيّة لأنّ طريق الانحدار أسهل من طريق الارتقاء، وهو تشخيص دقيق لما تواجهه المجتمعات في مسار التنميّة الثّقافية.

ولهذا ركّز في خطابه على فكرة القدوة، وعلى مسؤولية النّخب في حماية الذّوق العام والوعي الجمعي، رافضًا تحويل الثّقافة إلى مجرّد ترف لغوي أو صراع أيديولوجي منفصل عن هموم النّاس.

خامسا- شهادات في حقه: إجماع على قيمة استثنائية.

أجمع كثير من الباحثين والمفكرين في الجزائر على أنّ مولود قاسم كان يمثّل مدرسة فكرية قائمة بذاتها، قوامها:
الدّين باعتباره منظومة أخلاقيّة حضاريّة، واللّغة باعتبارها حامل الهويّة، والتّاريخ باعتباره ذاكرة الأمّة وشرط وعيها بذاتها.

وقد وصفه عدد من العلماء والدّعاة بأنّه كان من القلائل الذين جمعوا بين قوّة الحجّة الفلسفية ووضوح الخطاب الجماهيري، وبين الصّرامة الفكريّة والقدرة على التّأثير في الرّأي العام، كما اعتُبر في دراسات أكاديمية كثيرة أحد أبرز من اشتغلوا على مفهوم (الشّخصية الجزائرية) بعد الاستقلال، ليس من زاوية سياسيّة فقط، بل من منظور حضاري شامل.

أما في التّقدير العربي والإسلامي، فقد كان يُنظر إليه كمفكّر مدافع عن مركزيّة الثّقافة في مشاريع النّهضة، وكمثال على أنّ رجل الدّولة يمكن أن يكون صاحب رسالة لا مجرّد منفّذ سياسات.

سادسا- راهنية النموذج في زمن الارتباك الثقافي.

اليوم، وفي ظلّ ما تعرفه المجتمعات من أزمات هويّة، وتراجع في دور النّخب، واتّساع الفجوة بين القرار السّياسي والإنتاج الفكري، يعود نموذج مولود قاسم ليطرح نفسه بإلحاح:
هل يمكن بناء سياسات عمومية ناجحة دون مرجعيّة ثقافية واضحة؟
وهل يمكن للنّخب أن تؤثّر في مسار الدّولة إذا بقيت خارج دوائر الفعل؟

إن استحضار تجربته لا يعني الحنين إلى الماضي، بل يعني البحث عن صيغة جديدة لإعادة الاعتبار لدور الفكر في توجيه السّياسات، ولدور الدّولة في رعاية الثّقافة بوصفها استثمارًا استراتيجيًا في الاستقرار والتّنمية.

سابعا- قيمة تتجاوز الزمن.

لم يكن مولود قاسم نايت بلقاسم مجرّد وزير ناجح، ولا مجرّد مفكّر لامع، بل كان حالة مركّبة نادرة في تاريخ الجزائر المعاصر؛ رجل آمن بأنّ بناء الدّولة يبدأ من بناء الإنسان، وأنّ السّيادة لا تكتمل دون سيادة ثقافية، وأنّ المثقّف الحقيقي لا يكتفي بالتّشخيص بل يتحمّل مسؤولية المساهمة في الحل.

ومن هنا تبقى سيرته وفكره مصدر إلهام دائم لكلّ من يؤمن بأنّ الأوطان لا تُبنى فقط بالميزانيات والمشاريع، بل قبل ذلك وبعده بالوعي، والقيم، والمعنى.

مقالات ذات صلة