الرأي

“ميكي” يتفرّج علينا

الشروق أونلاين
  • 3330
  • 4

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما معناه يولد الطفل على الفطرة، فأبواه يمجّسانه أو يهوّدانه أو ينصّرانه، وإذا كنا على مدار سنوات نشخّص داء الكهول والشباب من الذين فضّلوا أن يحرقوا جوازات سفرهم وسفن رحلاتهم لأجل أن يدخلوا بلدانا ترفضهم، ويمزقون شهادات تعليمهم من أجل أن يكنسوا شوارع غيرهم ويطهون ما يأكله الآخرون، أو يحرقون أنفسهم يأسا من الحياة التي ذاقوا فيها كل أنواع العذاب، ونعجز عن إيجاد الدواء الشافي، فإن المشاهد التي قدمتها الصحف الجزائرية في الآونة الأخيرة، أدخلتنا نفقا لا نظن أن الخروج منه ممكن، لأننا عجزنا حتى عن تشخيص الحالة، فما بالك إيجاد حلول لها، أطفال في الأقسام الابتدائية “يتفننون” في شنق أنفسهم بخمارات أمهاتهم، وأحزمة سراويل آبائهم، وآخرون يتركون المنازل الدافئة ويهربون إلى الفيافي والغابات المليئة بالخنازير وبالضباع، صور لم نشاهدها حتى في أفلام الرعب، وروائع ألفريد هتشكوك، والمصيبة أن التهمة توجّه للرسوم المتحركة العابرة للقارات، كما وجهت من قبل للأفلام البوليسية.

الذين شككوا في فشل المنظومة التربوية صاروا الآن على يقين بأنها تتجه بنا إلى الفاجعة، بل إنها بلغتها، فقد تحدثنا عن انهيار مستوى التلاميذ، واعتبروا ذلك تجنيا على “عبقريتهم”، وتحدثنا عن التسرب المدرسي فنفخوا أرقام النجاح، وتحدثنا عن تعاطي التلاميذ المخدرات وحملهم للأسلحة البيضاء فاعتبروها مبالغة، ووصلنا الآن إلى المصيبة، حيث صرنا نقدم شتى أنواع الانتحار بالأسماء والصور، ولا أحد قرع أجراس الخطر أو حتى علّق على هاته الكوارث.

تمنينا أن نقرأ عن مواهب الأطفال في الرياضيات والتكنولوجية أو مختلف الفنون، كما نقرأ عن المواهب الكورية والتركية والصينية وحتى الإفريقية، ولكن ما يصلنا من الجزائر العميقة من تفنن في تعذيب الذات من الذين وُلدوا على الفطرة، كما قال خير الأنام، وإنما نحن من نظام وآباء من مجسناهم فأحرقوا أنفسهم بالنار، ونصرناهم فشنقوا أنفسهم بكل الأشكال التي لا تخطر على بال أحد بخرت أمنياتنا، فإذا كانت ملكة الدانمارك البلد الذي أهان أمتنا برسومات كاريكاتيرية مارغاريت الثانية، قد حزنت ستة أشهر كاملة عندما انتحر طفل في بلدها في حادثة قيل أنها الأولى والأخيرة في تاريخ البلاد، فإنه عندنا لا أحد حزن، رغم أن الأخبار تؤكد أن ما وقع في الشهر الماضي من حرق وشنق وغرق وهرب من البيت العائلي ومن المدرسة بإمكانه أن يقيل وزارات وحتى حكومات، ناهيك عن جمعيات وأولياء، واضح أنهم جميعا متورطون في هاته الأحداث، وفي صياغة التهمة الجاهزة، وهي الرسومات المتحركة التي أنجزها شاب ياباني بعنوان المحقق كونان الذي قدّم رسومات متحركة ليسلّي الناس ففهمها الأطفال عندنا رسومات ليتحركوا هم نحو المجهول.

يجب الاعتراف بأن المعلم الذي يطالب برفع مرتبه قد فشل في إيصال رسالة العلم، ويجب الاعتراف بأن الإمام قد فشل في إقناع الصغار قبل الكبار بالإيمان، ويجب الاعتراف بأن الولي قد فشل في تربية أبنائه ضمن منظومة فاشلة سقطت أمام رسوم متحركة أنجزها فنان ياباني يدعى غوشو آيوما.

منذ زمن بعيد ونحن نرمي الحكومة كلما ضاقت بنا السبل “بحكومة ميكي” نسبة إلى رسومات والت ديزني، ولكننا حتى لا نقول أننا على مشارف أن نصبح شعب ميكي، فالأكيد أن ميكي ماوس وكونان والبوكيمون والسنافر صاروا يتفرجّون علينا.. ويتسلّون.

مقالات ذات صلة