الرأي

مَن يَصنع مستقبلنا؟

محمد سليم قلالة
  • 3734
  • 11

بدل أن نمتلك رؤية بعيدة المدى قادرة على تمكيننا من البقاء في المستقبل والتأثير فيه.. تكاد المشكلات العاجلة والضاغطة التي نعرفها اليوم تأخذ مِنَّا كل الوقت.. نغرق في الطارئ منها والمستعجل، والغريب أحيانا.. وننسى أنه لا يُمكننا البقاء دون مؤسسات تتكفل بصوغ رؤية بعيدة لنا تصنع المستقبل المُمكن الذي نريد، ضمن المنظورين المتوسط والبعيد.

أبعد مدى يجري الحديث عنه اليوم هو سنة 2019، وهذه السنة بالمنظور المتوسط أو البعيد المدى هي غدا، إن لم تكن اليوم، أي أننا وصلناها وانتهى الأمر.. أما الحديث عن سنة 2030 أو عن العقود القادمة فتلك مسألة لم تعد مطروحة في الحسبان أبدا، وكأننا لن نتجه إلى تلك السنوات، ولن نترك بعدنا أجيالا عليها أن تعيش بأمن وسلام خلالها. وكأن الأمن والسلام والاستقرار والتطور بمختلف جوانبه هي مسائل مرتبطة بالحاضر أو المستقبل المباشر الذي لا يزيد عن سنتين.

تلك مشكلة أخرى ينبغي أن نطرحها على كافة المستويات، من السياسية إلى الثقافية إلى الاقتصادية إلى الإقليمية، ينبغي أن لا تُغطي مشكلات الحاضر الذي نعيش ما سنعرف في المستقبل من مشكلات تتوقف درجة خطورتها على مدى استعدادنا من الآن للتكيف معها أو إيجاد البدائل الناجعة لها، والسيناريوهات الأكثر وجاهة لمواجهتها.

انحرفت الجامعة عن مسارها وليست هي المؤسسة الُمنتجة للفكر والعلم. الجامعة اليوم غارقة في مشكلة الكمّ.. والصراعات المختلفة داخلها تجلت في أكثر من موقع، إلى درجة أن أصبحت تَعرف العراك والضرب بالأيادي والعصي (الجزائر، باتنة).

يبدو لي اليوم أن هذا البُعد المستقبلي أصبح غائبا عن نظرنا اليوم، بالرغم من كونه أساس كل عمل استراتيجي متوسط أو بعيد المدى، وإذا غاب هذا البعد لن نكون فقط ضمن مجال خطر الوقوع في المشكلات غير المتوقعة، بل سنكون ضمن موقع نُصبح فيه محل نظر من قبل سيناريوهات القوى الآخرين. ولو افترضنا أننا سنكون أمام  سيناريو واحد مُهيمن تجاهنا لهان الأمر( للأمريكيين أو الفرنسين أو غيرهم…) واعتمدنا من الآن سياسة القبول به والانسياق ضمن أهداف “الأمر الواقع”. المشكلة تبرز عندما نعرف أننا سنكون محل اهتمام من قِبل سيناريوهات متعددة بالمنطقة قد تتفق مرحليا كما هو الشأن اليوم، ونحظى بالاستقرار المؤقت، ولكنها قد لا تتفق في المستقبل، وعندها لن نعرف السبيل الذي علينا أن نسلكه، ونجد أنفسنا مضطرين إلى خيار الاضطراب، كما حدث لأكثر من بلد في المنطقة عندما اختلفت بشأنه الاستراتيجيات في الوقت الذي لم يكن قد هيأ نفسه مسبقا لسيناريو أعده لنفسه انطلاقا من قدراته ومصالحه المختلفة.

حدثت وتحدث هذه المشكلة لسورية والعراق واليمن وأفغانستان وطاجكستان والشيشان وبرمانيا في آسيا، ولرواندا والسودان وليبيا ودول الساحل والكونغو في افريقيا، والمكسيك وبنما وكولومبيا والبيرو في أمريكا اللاتينية… وهي الآن تُهدِّد أكثر من بلد عربي كالسعودية ومصر والجزائر والمغرب، ومن شأنها أن تمس أكثر من بلد إفريقي آخر وفي أمريكا اللاتينية من بين تلك البلدان التي لم تندرج ضمن استراتيجية بعيدة المدى يمكن أن تمنعها من السقوط في فخ الاستراتيجيات المتضاربة بين القوى الكبرى والإقليمية المختلفة.

وقد تبين من خلال ما حدث في العقود الثلاثة السابقة أن الدول الوحيدة التي نجت من الآثار المُخرِّبة للتضارب الدولي بشأنها هي تلك التي حدَّدت حلفاءها مُسبقا، قبل أن تَطالها الأزمة وليس بعدها مثلما هو الشأن بالنسبة للبرازيل وجنوب افريقيا والهند وإيران وتركيا، وقبل هذه الدول الخمس، روسيا والصين اللتان سبقتا إلى الشروع في صوغ مشروعهما المستقبلي منذ الثلث الأخير من القرن الماضي.

وليس غريبا أن  نجد خمساً من هذه الدول تتكتل ضمن ما يُعرف بمجموعة البريكس BRICS (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب افريقيا)، ولولا انتمائهما إلى دائرة حضارية أخرى هي الدائرة الإسلامية لكانت كل من إيران وتركيا جزءا من هذا التحالف العالمي الذي يمتلك رؤية مستقبلية لنفسه تضبط مصالحه والاستراتيجيات المختلفة لتحقيق أهدافه ضمن هذه المصالح، مما يجعل مجموعة الدول المنتمية إليه قادرة على حماية نفسها من التهديدات المختلفة المتوقعة التي قد تطالها في المستقبل من قبل المجموعات المهيمنة اليوم في العالم وبخاصة الأمريكية والأوروبية.

فأين نحن من كل هذا؟ مَن يقوم بتحديد أفضل السيناريوهات لنا؟ بل مَن مِنَّا يقوم بإعدادها بصرامة علمية وخبرة ميدانية بعيدا عن كل الأهواء والمصالح الضيقة، تأخذ بعين الاعتبار جميع المتغيرات المؤثرة في مستقبلنا، وتطرح فرضيات تطورها في المستقبل وبدائل التعامل معها؟… الجامعة؟ مراكز فكر مستقلة؟ الحكومة؟ البرلمان؟ الأحزاب؟ المجتمع المدني؟ القطاع الصناعي؟ كبرى الشركات مثل سوناطراك؟ لا أعتقد بأن أيا من هذه المؤسسات أو الشركات تضع مثل هذه المسألة ضمن أولوياتها وهي تعيش ضغط المشكلات اليومية وتغرق في تفاصيلها، ولا تستطيع أن تتجاوزها، بل إنها يوميا تغرق في تفاصيل التفاصيل منها…

انحرفت الجامعة عن مسارها وليست هي المؤسسة الُمنتجة للفكر والعلم. الجامعة اليوم غارقة في مشكلة الكمّ.. والصراعات المختلفة داخلها تجلت في أكثر من موقع، إلى درجة أن أصبحت تَعرف العراك والضرب بالأيادي والعصي (الجزائر، باتنة)، والسباحة في أحواض الماء التي تُزيِّن محيطها والرقص والغناء في ساحتها (باب الزوار)، التي يفترض أن تكون فضاء للنقاش والتشاور بين من يرمزون لنخبة المجتمع… مراكز البحث المستقلة لا وجود لها، والقليل منها (في القطاع العام) إمكانياته محدودة، ومجال حركته محصور. ولولا جهود بعض أفراده المتميزين بكفاءة عالية لما بقيت صامدة إلى اليوم. الحكومة مشتغلة بيوميات الحياة التي لا تكاد تنقطع، وبالسعي إلى تلبية مطالب السكان التي تعرف تأخرا يُحسَب أحيانا بالعقود. أما البرلمان والأحزاب والمجتمع المدني فلا يمكننا الحديث عن مكانة لها في الدولة أو دور لها في صوغ سياساتها العامة، إذا استثنينا بعض المبادرات الفردية المحدودة من هذه الجهة أو تلك.

 وبدون شك سنتفق جميعا أن أكبر شركة في بلادنا “سوناطراك” إذا كان من هدف لها فلا يزيد عن توفير المداخيل المالية للبلاد حتى تتمكن من إعداد الميزانية وتوفير لقمة العيش للناس، أما أن تُفكِّر في إنشاء مراكز بحث تابعة لها تهتم بالمستقبل الكلي للبلاد فذاك من قبيل الخيال، وهي الغارقة فيما نعرف ولا نعرف من مشكلات وأزمات محلية ودولية…

وهكذا يتجلى بكل وضوح كيف أننا لا نملك هيئة تفكر في الغد البعيد بالنسبة لنا، فكيف بهيئة تَمنع عنَّا الوقوع ضحايا سيناريوهات الآخرين كحد أدنى، أو هيئة تُمكِّننا من  تشكيل تكتل اقتصادي ـ سياسي كما هو الشأن بالنسبة للبريكس، أو ترسم لنا السياسة اللازمة لنُشكل هذه المجموعة بأنفسنا ولو بعد عقدين من الزمن إن على المستوى الإفريقي (شمال افريقيا) أو المتوسطي أو غيرها من الدوائر الجيوسياسية في العالم، أم أن هذا حلم بالنسبة لنا وليس مِن حقِّنا التطلع إليه؟

يبدو أنه علينا طرح مثل هذه المسألة اليوم ليس كترف فكري، إنما كمطلب حيوي لبقائنا في المستقبل، ولتمكيننا من ريادة مشروعنا كما نريد، بدل البقاء ضمن حصار الحاضر الخانق والذي يمنعنا من أن نخطو أي خطوة نحو المستقبل.

صحيحٌ أن هناك جهوداً على المستوى الضيق في هذا المجال أو ذاك، وهناك محاولات محدودة لرسم استراتيجية مستقبلية لنا، ولكنها تبقى رهينة ضغوط الحاضر وبلا آفاق في المستقبل، معرضة للهدر في أي وقت من الأوقات باعتبار أنها مرتبطة بالظرف المؤقت التي تشتغل فيه… وهذا ما يجعلنا نعتبر أنه  من الأولوية اليوم أن نُصحح الخلل في هذا المجال، أن نَفتح لأنفسنا آفاقا أكبر للتفكير فيما سنكون عليه في المستقبل، ذلك أننا مَحط أنظار الآخرين… وإذا لم نصنع هذا المستقبل لأنفسنا، بكل تأكيد سيصنعه لنا الآخرون.. ولن يكون في كل الحالات ذلك الذي نُريد، بل أسوأ ما نتوقع إذا لم نتحرك من الآن.

مقالات ذات صلة