الرأي

نتنياهو والسلام: ضدان لا يجتمعان

محمد بوالروايح
  • 3751
  • 0

نتنياهو شخصٌ غريب الأطوار، متقلب المزاج فهو يصرح بشيء في أول النهار وينقضه في آخره. قد تبدو هذه حالة مرضية في نظر بعض المحللين ولكنها في نظرب عضهم الآخر دليل على “دهاء سياسي”، مشوب بالخديعة والقدرة على المناورة والتملص من أي التزام في أي لحظة، وهذا فعلا ما يُفهم من تصريحات نتنياهو الأخيرة باحتمال العودة إلى الحسم العسكري لإخضاع حماس وتدمير الأنفاق على خلفية ما يزعم أنه “خرق” من جانب حماس لبنود خطة ترامب التي تُلزمها بإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين الأحياء وتسليم جثامين الموتى.

لا يتصرف نتنياهو -عند حديثه عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة- على أنه طرف في هذا الاتفاق، بل يتصرف على أنه الخصم والحكم، يملي على الخصم ما يريد وكأن تبعات هذا الاتفاق تقع على عاتق الآخر فقط ولا تعنيه هو بأي شكل من الأشكال. هكذا يرى نتنياهو نفسه، خصما وحكما، وما على خصمه إلا تنفيذ ما يُطلب منه بحذافيره أو تحمُّل عواقب “العصيان”.

يتحدث نتنياهو عما سماه “خرق” حماس لبنود الاتفاق بسبب عدم إتمامها تسليم ما تبقى من جثامين القتلى الإسرائيليين مع علمه بصعوبة العثور عليها في ظل شح المعدات ووجود بعضها تحت الركام أو في أماكن معزولة ومقطوعة يتعذر الوصول إليها. تنص خطة ترامب على أنه يتوجب على حماس إعادة كل الأسرى الأحياء من الإسرائيليين، وقد فعلت ووفت بشهادة نتنياهو نفسه، وبإعادة ما أمكن من جثامين القتلى، وهذا ما تقوم به بمساعدة لجنة مختصة مختلطة، فما هو إذن مبرر نتنياهو في اتهام حماس بالتلكؤ والتباطؤ وتعمُّد عدم تسليم ما تبقى من الجثامين؟ اعترف ترامب في حديثه إلى وسائل الإعلام في البيت الأبيض بأن حماس تقوم فعلا بعمليات الحفر للعثور على الجثامين وبأن هذه العملية تستغرق وقتا، فلمَ إذن يتجاهل نتنياهو هذا الواقع ويسارع إلى اتهام حماس بالإخلال ببنود الاتفاق؟ ليس لهذا الموقف إلا تفسير واحد وهو أن نتنياهو قد قبل الاتفاق على مضض وليس له رغبة في أي تسوية مع حماس بل يفضل مواصلة الحرب رغم قناعته بأن ما عجز عن تحقيقه خلال عامين كاملين لن يتحقق في الوقت بدل الضائع.

لعل الحافز الوحيد الذي دفع نتنياهو لقبول الاتفاق مع حماس هو رغبته في طي ملف الأسرى الذي أصبح يؤرِّقه أكثر من أي ملف آخر ثم العودة بعد ذلك إلى القتال لأنه يعلم بأن نهايته السياسية مرتبطة بنهاية الحرب في غزة، وهذا ما لا يرغب فيه بكل تأكيد. ليس لنتنياهو –وفقا لما ذكره محللون مختصون- ميل إلى السلام لا مع حماس ولا مع غيرها لأنه من التيار اليهودي  المتشدد الذي يرى بأن السلام مع غير اليهود هو خيانة لنصوص التوراة وللإرث التاريخي اليهودي الجامع. يمكن لأي قارئ لكتُب نتنياهو أن يكتشف هذه الحقيقة، فهو يؤمن بما يسمى “أرض إسرائيل الكاملة” أو “إسرائيل الكبرى” التي هي أرض يهودية خالصة لا تقبل القسمة على اثنين ولا تتَّسع لشعبين.

نخشى أن تؤدي هذه الشطحات والخرجات البهلوانية والتصريحات الاستعراضية والاستفزازية لنتنياهو إلى توقف الاتفاق عند المرحلة الأولى ونعود بعدها إلى المربع الأول في حرب معادة ستُجرّ إليها هذه المرة المنطقة العربية المحيطة برمّتها حرب مفروضة عليها، يسعى إليها فكر توسعي لشخصية مستبدة ومستفزة اسمها نتنياهو يرى أن غزة بداية لما هو أكبر وهو تحقيق حلم إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.

إن الشخص الوحيد القادر على كبح جماح نتنياهو إذا أراد هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يقع على عاتقه واجب أخلاقي كبير لضمان تنفيذ بنود الاتفاق وحمل نتنياهو على الإذعان للإرادة الدولية لوقف حمَّام الدم في غزة الذي أزهق أرواحا بريئة ودمَّر البنية التحتية وحوَّل غزة إلى مكان يفتقد لكل مقوِّمات الحياة. إن نتنياهو أشبه بالابن المشاغب الذي لا يستقيم على الجادة إلا ما دمت عليه قائما، وإخضاعه يحتاج إلى متابعة دائمة وإلا تمرد وخرج عن السيطرة. رعاية الاتفاق في نظري وفي نظر كثير من المحللين مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق ترامب الذي تعهَّد بتحقيق السلام في غزة والشرق الأوسط وعليه أن يفي بذلك وأول الوفاء كبح جماح نتنياهو الذي يريد أن يُغرق المنطقة في دوامة حرب إقليمية لا تبقي ولا تذر، بدايتها معلومة ونهايتها مجهولة وعواقبها وخيمة على المنطقة وعلى العالم.

ليس لنتنياهو ميلٌ إلى السلام لا مع حماس ولا مع غيرها لأنه من التيار اليهودي  المتشدد الذي يرى بأن السلام مع غير اليهود هو خيانة لنصوص التوراة وللإرث التاريخي اليهودي الجامع. يمكن لأي قارئ لكتُب نتنياهو أن يكتشف هذه الحقيقة، فهو يؤمن بما يسمى “أرض إسرائيل الكاملة” أو “إسرائيل الكبرى” التي هي أرض يهودية خالصة لا تقبل القسمة على اثنين ولا تتَّسع لشعبين.

حتى لو استبقنا الأحداث وفرضنا جدلا أنه تم تجاوز عقبة الجثامين، فإن نتنياهو سيختلق عقبات أخرى، وأظن أن العقبة الكؤود التي يحضرها نتنياهو والفرصة السانحة التي ينتظرها للانقلاب على الاتفاق هي قضية سلاح حماس الذي صرح وزير الدفاع الصهيوني بشأنه مستبقا المفاوضات وما تقتضيه من ضمانات وإجراءات معقدة بأنه قد أصدر تعليماته إلى القيادة العسكرية بالتجهز لتنفيذ ما تأمر به القيادة السياسية في حال عدم وفاء حماس بالتزاماتها فيما يتعلق بنزع السلاح وتدمير الأنفاق والتخلي عن الحكم والانسحاب الكامل من أداء أي دور في المستقبل.

إن نزع السلاح من غير ضمانات محددة والتزامات من الجانب الإسرائيلي بالانسحاب الكامل أو على الأقل إلى الخط الفاصل كما جاء في خطة ترامب يعدُّ انتحارا بأتم معنى الكلمة وتجريدا وتحييدا للسلاح الوحيد المتاح لحماية ما تبقى من غزة ومن شعبها الصابر الصامد الذي عانى الويلات من حرب جردته من كل حقوقه الطبيعية والإنسانية. لا ضير أن يفكر الوسطاء في صيغة توافقية لحل الإشكال المتعلق بسلاح حماس ولكن لن يكون لعمل الوسطاء جدوى إذا أصرّ نتنياهو على أداء دور الخصم والحكم في آن واحد . إنّنا نحذر من عمل عدواني وخلط للأوراق، قد يقدم عليه نتنياهو و”كاتس” في الأيام القادمة من شأنه أن يربك عمل الوسطاء ويفسد ما جرى تحقيقه في جولات تفاوضية شاقة ومضنية في الدوحة وشرم الشيخ. كل من استمع إلى قاله نتنياهو وكاتس يدرك أن العاصم الوحيد مما نحذر منه هو إرادة دولية جامعة في مواجهة الفكر التدميري الذي يتبناه نتنياهو ووزراؤه في الكابنت.

لن يتمكن نتنياهو من كسر رغبة ترامب في السلام حرصا على جائزة نوبل للسلام، ولكنه يملك القدرة على المناورة وأداء دور الضحية ويحسن التباكي، وهذا قد يمكِّنه من إقناع ترامب بأن خطر حماس وخطر الأنفاق مهدِّدان حقيقيان للاتفاق وأن إزالته لا تتحقق إلا بعمل عسكري متجدد يحفظ لإسرائيل حدودها ووجودها. هذا أمرٌ متوقع، فقد أبطل نتنياهو صفقات سابقة وعاد إلى الحرب رغم أنف ترمب، كما ذهب إلى ذلك بعض المحللين.

مقالات ذات صلة