الرأي

نحن والمنافسات الأولمبية العلمية

بعد الجدل الواسع الذي رافق أولمبياد موسكو للرياضيات المنعقدة في نوفمبر الماضي، كثر التداول الإعلامي الوطني حول منح “ميداليات ذهبية” وراجت معلومات مغلوطة في معظم وسائل الاعلام.

والحال أن هذه المنافسة، على أهميتها العلمية، لا تمنح ميداليات أصلًا، وإنما تعتمد نظامًا خاصًا بالجوائز والمنح الدراسية و”دبلومات الامتيازات”. ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى الوثائق الرسمية قبل إطلاق الأحكام دون بيان.

المنافسات الأولمبية العلمية الدولية

فحسب المعطيات الواردة في نصوص منصة ألمبياد موسكو للرياضيات، شارك في المنافسة 338 طالبًا من أربع دول هي: الجزائر (4 مشاركين، كلهم من مدرسة الرياضيات بسيدي عبد الله)، أوزبكستان (14)، تركمنستان (20)، روسيا (300). والجدير بالملاحظة أن هذه المسابقة ليست مخصصة لوفود وطنية، بل هي مفتوحة لطلبة الجامعات كأفراد.

أما من حيث النتائج، فقد مُنحت ثلاث جوائز أولى (فيها مبالغ مالية مع بعض المنح الدراسية) للمشاركين الثلاثة الأوائل. ثمّ نجد39 مشاركًا ضمن فئة “الامتياز الأول”، من بينهم طالب جزائري واحد، و47 مشاركًا ضمن فئة “الامتياز الثاني”، من بينهم طالبان جزائريان. وبلغ عدد الحاصلين على “المستوى الشرفي”31 مشاركًا، من بينهم طالب جزائري. أما بقية المشاركين، وعددهم 160، فلم يتحصلوا على أي امتياز أو شهادة، ولا يوجد بينهم أي مشارك جزائري.

ومن هنا يتضح أن المشاركين الجزائريين لم يكونوا ضمن الثلاثة الأوائل، لكنهم شرّفوا البلاد بانتمائهم إلى الفئات المتقدمة (درجة الامتياز 1 ودرجة الامتياز 2، والمستوى الشرفي). إنه إنجاز يستحق التقدير والتشجيع، مع الحرص على عدم المبالغة أو التهويل. ومن المفيد أن نضيف إلى ذلك أن الجامعة المنظمة حديثة العهد بهذه التظاهرة، إذ لم تتجاوز دورتها الثالثة بعد. وفي المقابل، شارك 300 طالب روسي أتوا من 25 جامعة روسية، منها جامعات عريقة مثل لومونوسوف (موسكو) وسانت بطرسبورغ، وهذا في بلد يُعدّ مستواه الرياضياتي من الأعلى عالميًا. كما لا يمكن إغفال أن المقاطعة الأولمبية المفروضة على روسيا بسبب الحرب الأوكرانية-الروسية أسهمت في محدودية المشاركة الدولية.

بعد هذا التوضيح، نلاحظ أن الكثير يعتقد بأن عدد المنافسات الأولمبية العلمية تعدّ على أصابع اليد الواحد، وهو ما جعلهم يشككون في أولمبياد موسكو! دعنا نشير إلى بعض هذه المنافسات العلمية الدولية، وكذا الأقليمية والقارية.

تُعدّ المنافسات الأولمبية العلمية الدولية من أبرز الفعاليات التربوية العالمية التي تُعنَى باكتشاف ورعاية المواهب الشابة في مجالات العلوم الأساسية. ويأتي في طليعتها الأولمبياد الدولي للرياضيات الذي انطلق سنة1959 في رومانيا بمشاركة سبع دول من أوروبا الشرقية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى أهم منافسة دولية تضم اليوم أكثر من مائة دولة. وسار على نهجها الأولمبياد الدولي للفيزياء الذي تأسس سنة1967 في بولندا ليصبح أحد أهم المحافل الدولية في الفيزياء المدرسية.

وفي مجال الفلك، أُسِّس الأولمبياد الدولي لعلم الفلك والفيزياء الفلكية سنة 2007، جامعًا بين الرصد الفلكي والتحليل الفيزيائي.

أما في علوم الحياة، فقد انطلق الأولمبياد الدولي لعلم الأحياء سنة 1990 بمشاركة ست دول، وشكّل فضاءً مميزًا لتبادل الخبرات حول البيولوجيا الحديثة. وفي الكيمياء، تأسس الأولمبياد الدولي للكيمياء سنة 1968، ويشارك فيه سنويًا ما بين 300 و350 طالبًا من نحو 90 دولة. كما برز الأولمبياد الدولي للمعلوماتية منذ 1989 في بلغاريا كمنافسة رائدة في البرمجة وعلوم الحاسوب. وأخيرًا، مثّل الأولمبياد الدولي العلمي للناشئة الذي انطلق سنة2004 في جاكرتا، تجربة فريدة تجمع الفيزياء والكيمياء والأحياء في إطار متكامل موجّه للفئات العمرية الأصغر.

المنافسات الأولمبية العلمية الإقليمية

نشير هنا إلى أبرز المنافسات الأولمبية العلمية:

1) الرياضيات: شهدت الرياضيات منذ نهاية القرن العشرين انتشارًا واسعًا لمنافسات أولمبية إقليمية وقارية مكمّلة للأولمبياد الدولي. ولعل من أقدمها الأولمبياد الإفريقي للرياضيات الذي أُسس سنة 1987 بمبادرة من الاتحاد الإفريقي للرياضيات، ويُعد هذا الأولمبياد اليوم الإطار القاري الأساسي لإعداد الفرق الإفريقية للمشاركة الدولية. وفي السياق نفسه، أُطلق قبل بضع سنوات الأولمبياد الإفريقي للرياضيات الخاص بالفتيات كمسابقة موازية مخصّصة للإناث، ويُنظم سنويًا في إحدى الدول الإفريقية.

في آسيا والمحيط الهادئ، تأسس الأولمبياد الآسيوي-الهادئ للرياضيات سنة 1989، وانطلقت دورته الأولى بمبادرة مشتركة من عدة دول آسيوية. أما في أوروبا، فيُعدّ الأولمبياد البلقاني للرياضيات من أقدم المنافسات الإقليمية إذ تأسس سنة 1984. كما أُسِّس الأولمبياد الأوروبي للفتيات في الرياضيات سنة 2012، وانطلقت دورته الأولى ببريطانيا، ليكون أول أولمبياد أوروبي مخصص للفتيات في هذا المجال.

2) علم الفلك والفيزياء الفلكية: في علم الفلك، برز الأولمبياد الآسيوي-الهادئ لعلم الفلك منذ سنة 2005، بوصفه فرعًا إقليميًا للأولمبياد الدولي لعلم الفلك. وفي الفضاء الأوروبي-الآسيوي، تأسس الأولمبياد الدولي لجمعية علم الفلك الأورو-آسيوية في 1996. وتُنظم دوراته في مراكز فلكية داخل الدول الأعضاء، غالبًا في أوروبا الشرقية وروسيا.

في العالم العربي، تسعى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم منذ سنوات جاهدة لتنظيم منافسات أولمبية علمية بالتعاون مع الدول العربية. كما ظهرت مبادرات مثل الأولمبياد العربي للفلك منذ العقد الأول من الألفية الثالثة، بتنظيم جمعيات فلكية في الأردن ومصر، إلى جانب ورشات تدريب إقليمية. أما في إفريقيا، فتقود الجمعية الفلكية الإفريقية منذ تأسيسها سنة 2010 مبادرات قارية، مع مشروع قيد التطوير لتأسيس الأولمبياد الإفريقي لعلم الفلك.

3) الفيزياء: يُعدّ الأولمبياد الآسيوي للفيزياء من أبرز المنافسات الإقليمية في الفيزياء. أُسس سنة 2000، وعُقدت دورته الأولى في إندونيسيا بمشاركة 12 دولة. وفي أوروبا، تأسّس الأولمبياد الأوروبي للفيزياء سنة 2017، وعُقدت أول دورة له في إستونيا. أما في إفريقيا، فلا يوجد إلى اليوم أولمبياد فيزيائي قاري موحّد، غير أن بعض الدول، مثل جنوب إفريقيا، تنظم مسابقات وطنية تُعِدّ الطلبة للمشاركات الدولية.

4) الكيمياء: في آسيا، ظهر الأولمبياد الآسيوي للكيمياء قبل نحو 20 سنة كإطار إقليمي لإعداد الطلبة للأولمبياد الدولي للكيمياء. وفي أوروبا، تأسس الأولمبياد الأوروبي للعلوم التجريبية في بداية هذا القرن، وعُقدت أول دورة له في أيرلندا، ويجمع بين الكيمياء والفيزياء وعلم الأحياء في منافسة جماعية. وفي العالم العربي، أُسِّس الأولمبياد العربي للكيمياء سنة 2012، وأُقيمت دورته الأولى في تونس بمشاركة سبع دول. ثم توالت الاستضافات في دول عربية عدة، واستؤنفت دوراته بعد جائحة كورونا بدورة الأردن 2025. أما في أمريكا اللاتينية وأوروبا الجنوبية، فيُعدّ الأولمبياد الإيبيرو-أمريكي للكيمياء من أقدم المنافسات الإقليمية إذ تأسس سنة 1995 في البرازيل، ويضم دولًا ناطقة بالإسبانية والبرتغالية.

5) علم الأحياء: في علم الأحياء، ظهرت عدة منافسات أولمبية إقليمية مرافقة للأولمبياد الدولي الذي تأسس سنة 1990. ومن أبرزها الأولمبياد الإفريقي لعلم الأحياء الذي أُطلق قبل 20 سنة ضمن شبكة علم الأحياء الإفريقية. وفي أمريكا اللاتينية، تأسس الأولمبياد الإيبيرو-أمريكي لعلم الأحياء سنة 2006.

تُبيّن هذه اللمحة عن المنافسات العلمية التي لم نتعرض فيها إلا لأبرز نماذجها وأكثرها شهرة، أن هذا الصنف من التظاهرات لم يعد استثناءً نادرًا، بل أصبح منظومة عالمية واسعة تضم عشرات المنافسات القارية والإقليمية والدولية، ويزداد عددها سنة بعد سنة. ويعكس هذا التوسّع وعيًا متناميًا بأهمية هذه المنافسات في تحفيز التلاميذ والطلبة على الإقبال الجاد على العلوم الدقيقة، وتنمية مهارات التفكير العميق والعمل المنهجي.

مقالات ذات صلة