الرأي

نحن وصعوبة اللعبة الدولية!

محمد سليم قلالة
  • 1949
  • 21

لا شك أن بلَدَنا ككل البلدان الإفريقية والعربية التي تسعى إلى أن تحتل مكانة لها بين الأمم تتعرض إلى ضغوط دولية شتى لأجل أن تسير في هذا الاتجاه أو ذاك. نحن لسنا بمنأى عن الصراع الدولي ولا يُمكننا أن نُفكِّر بأننا يُمكِن أن نَبني بَلَدنا أو نُحافظ على أمنه واستقراره من دون خيارات واضحة وأحيانا التزامات مُحدَّدة تجاه الأطراف الدولية التي تَسعى إلى بسط سيطرتها على العالم… فما العمل ونحن نرى مؤشرات تَحوُّلٍ كبير تلوح في الأفق؟

بلا شك نحن لا نملك تأثيرا على القرارات الدولية، وليست لنا أي مساهمة تُذكر في تشكيل العالم من حولنا باعتبارنا دولة صغيرة، خاصة وقد أفقدنا أنفسنا شيئا فشيئا تلك الهيبة التي كانت لدينا في القارتين الإفريقية والآسيوية ولدى كافة الشعوب المحبة للحرية الناتجة عن التضحيات الجسام التي قدَّمناها في ثورتنا التحريرية.

كلّ ما نملك اليوم هو تلك المحاولات المتكررة للحفاظ على دورنا بين الأمم الإفريقية والعربية وبعض الأمم الآسيوية، وفي المحافل الدولية، استثمارا في تركة الماضي، وإن كانت العشرية السوداء قد تَركت بالغ الأثر عليه، وكادت الصعوبات المالية التي نعرفها تمحو ما بقي منه… أي إننا اليوم نعيش بداية مرحلة من أصعب مراحل تاريخنا الحديث نتيجة تضارب رؤى القوى الكبرى بشأن مستقبلنا كشعب، ومستقبل مكانة دولتنا ودورنا في محيطنا المباشر العربي والإفريقي.. بمعنى أكثر وضوحا أننا بدأنا نعرف مزيدا من الصعوبات على صعيد موقعنا الدولي منذ نحو ثماني سنوات حيث خَفَتَتْ جذوة الدبلوماسية الجزائرية بعد أن فقدت الرصيد المالي الذي كانت ترتكز عليه نتيجة الارتفاع الكبير في مداخيل البلاد من المحروقات.

هذه الحالة جعلتنا نفقد بالتدريج موقعنا الفاعل على السّاحة الإقليمية، ونتجه نحو أن نكون في خدمة فاعل من الفواعل الرئيسية التي لها مصالح في منطقة شمال إفريقيا والعالم العربي وحوض المتوسط تحديدا. ومن بين أهم هذه الفواعل الرئيسة الولايات المتحدة وفرنسا والصين بكل ما ترمز له القوى الثلاث من مجموعات اقتصادية وأولويات سياسية أو أجندات عسكرية وأمنية.

وعندما نكون في مثل هذه الوضعية يُصبِح موقعنا من الهشاشة بمكان إلى درجة أن تتحول الحسابات الخارجية من مجرد مؤثر على قرارنا إلى مُتحكِّمة فيه، عكس ما ينبغي أن يكون، أي أولوية السياسة الداخلية على السياسة الخارجية، كما هي حال كل الدول التي لم تتمكن من تعزيز جبهتها الداخلية من حيث التماسك الثقافي والاجتماعي والسياسي، أو أَوْصَلت نفسها إلى ضائقة مالية بعد رخاء، أو عَمَّقت تبعيتها الاقتصادية للخارج في مجال تلبية حاجاتها المختلفة. وهي حال بلدنا في الآونة الأخيرة، حيث إن جبهتنا الداخلية مازالت هشة، ونحن نسير باتجاه ضائقة مالية بتأكيدِ أكثر من خبير في هذا المجال، وكنتيجة لذلك نتجه نحو العودة إلى الاستدانة من المؤسسات الدولية، لنَدخل ضمن منطق الرضوخ للأجندات الأجنبية أكثر من أن يكون لنا منطقنا في التطور المستقِل النابع من خصوصيتنا الذاتية.

فما العمل أمام كل هذا؟

هل نختار الأسلوب الذي اعتمدته بعض البلدان الإفريقية مثل تلك التي غيَّرت من وجهتها السياسية والاقتصادية ومن مواقفها الدولية، أم سنجد أنفسنا في دوامة انعدام الاستقرار إذا ما فشلنا في إدارة التوازنات الدولية، ما سيزيد موقفنا هشاشة ويوصلنا بعد فترة وجيزة إلى القبول بخيارات أسوأ مما هو معروض علينا الآن؟

بالفعل إنها إشكالية كبيرة تُطرح اليوم، وعيلنا أن نُساهم في تقديم البدائل اللازمة للإجابة عنها. 

لو أخذنا المثال الرواندي بعد الحرب الأهلية التي عرفها في سنة 1994 التي ذهب ضحيتها قرابة 800 ألف من المواطنين في ظرف وجيز وتساءلنا ما الذي مكّن هذا البلد من تحقيق الإقلاع الاقتصادي، ومِن التَّطلع إلى أن يُصبح دولة صاعدة بعد سنة 2020، ومن أن يَحتل المرتبة الثالثة بين الدول الإفريقية المستقطبة للاستثمار، ومن أن تُصبح عاصمته كيغالي الآن من أجمل العواصم الإفريقية إن لم تكن الأجمل؟؟ سيَتبيَّن لنا أن رواندا تمكنت من ذلك في ظرف وجيز بعد أن غيَّرت الاتجاه من التعامل مع فرنسا القوة الدولية المهيمنة قُبيل الحرب الأهلية في التسعينيات إلى التعامل مع الولايات المتحدة منذ مجيء الرئيس الحالي بول كاغامي سنة2000. وكان من نتائج هذا التغيير أن أصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة الأولى في البلاد، إلى جانب اللغة المحلية، وفي سنة 2009 ألغيت الفرنسية من التعليم تماما لتحل محلها الإنجليزية، ووطّدت رواندا علاقاتها أكثر مع العالم الأنجلوساكسوني بدل العالم الفرانكوفوني باعتبارها مستعمرة بلجيكية سابقا…

كان هذا خيارا لدولة بكل ما له من تداعيات، وبخاصة في المجال الداخلي والخارجي حيث لوحظ أيضا أن هذا التحول رافقه أيضا توطيد العلاقة مع إسرائيل كما هو الشأن مع الدول الإفريقية الأكثر تطورا من غيرها مثل جنوب إفريقيا وكينيا وغانا وبوتسوانا وجزر موريشيوس وكوت ديفوار التي تعد الدول الأكثر جذبا للاستثمار في القارة الإفريقية التي تَشترك جميعها في أن لها علاقة متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبالموازاة مع ذلك مع إسرائيل…

هل نحن في ظرف سياسي وتاريخي يسمح لنا بخيارات جديدة على الصعيد الدولي؟ وهل مازالت لدينا القدرة على اللعب على ورقة التوازن الأمريكية ـ الفرنسية مع الحفاظ على مواقفنا المعروفة على الساحة الدولية وبخاصة تجاه القضية الفلسطينية؟ أم إننا سنجد أنفسنا فعلا أمام خيارات صعبة في السنوات القليلة القادمة؟ وما الذي علينا القيام به في هذا المستوى؟

مثل هذه الوضعية الحرجة تجعلنا بحق نطرح الكثير من الأسئلة عن قضايا ما فتئت تُثار في المدة الأخيرة لها علاقة بملفات الفساد، والتصريحات الجهوية لأكثر من طرف، والشبهات التي أصبحت تحوم حول أكثر من مسؤول ومحيطه الخاص؟ أليست كل هذه مؤشرات على أن هناك من يدفع بنا باتجاه سيناريو جديد مُعدٍّ سلفا لبلادنا؟ وماذا يحمل لنا هذا السيناريو؟

بكل تأكيد لن يكون خيرا إذا ما استمرت مواقفنا غير مؤسسة على موقف داخلي صلب، وعلى قيادة سياسية لها الشرعية الشعبية اللازمة التي تمنعها من الانزلاق في مخططات الآخرين، وعلى قوى شعبية منظمة في أحزاب ومجتمع مدني متراص وواعٍ، يُبيِّن بالفعل أننا يمكن أن نكون بلدا قادرا على اتخاذ قرارات سيادية، وقادرا على حمايتها.

وعليه، فإنه لا مناص اليوم من وعي مدى أهمية تعزيز جبهتنا الداخلية من خلال خيارات سياسية واقتصادية قائمة على شرعية لا غبار عليها تُمكّنها من السّند الشعبي اللازم لأي دولة لكي تُحافظ على سيادة قرارها الداخلي والخارجي. والأهم من ذلك أن نعي أن كل تأجيل لتعزيز هذه الجبهة الداخلية بقيادات تحظى بالسند الشعبي الكافي وتمتلك الكفاءة اللازمة لإدارة اللعبة الدولية من منظور المصالح الوطنية العليا، إنما هو في غير صالح أن نُقرر مصيرنا بأيدينا… كل شهر تأجيل، بل كل يوم سيصب عكس الاتجاه الذي نريد…

هل نحن في ظرفٍ سياسي وتاريخي يسمح لنا بخيارات جديدة على الصعيد الدولي؟ وهل مازالت لدينا القدرة على اللعب على ورقة التوازن الأمريكية ـ الفرنسية مع الحفاظ على مواقفنا المعروفة على الساحة الدولية وبخاصة تجاه القضية الفلسطينية؟ أم أننا سنجد أنفسنا فعلا أمام خيارات صعبة في السنوات القليلة القادمة؟

مقالات ذات صلة