الرأي

نحو إصلاح تشريعي لعطلة الأمومة في الجزائر

بقلم: خالد شبلي
  • 419
  • 0

تمثّل عطلة الأمومة أحد أرقى أشكال الحماية الاجتماعية التي تُمنح للمرأة العاملة، وهي ليست منحة ظرفية أو امتيازًا ثانويًّا، بل حقٌّ أصيل متصل بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، كما تنص على ذلك المواثيق الدولية والتشريعات المقارنة.

بات من المؤكد اليوم أن حماية الأمومة ليست فقط مسألة صحية، بل رهان تنموي وسياسي ومجتمعي شامل، يعكس مدى التزام الدولة بتعزيز موقع المرأة داخل سوق العمل وضمان استمرارها من دون تمييز أو هشاشة؛ إن إقرار عطلة أمومة كافية وعادلة هو أيضًا مؤشرٌ نوعي على مدى نضج السياسات العمومية، ومدى احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية داخل النسيج التشريعي.

وفي هذا السياق، شكّلت مبادرة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون بتمديد مدة عطلة الأمومة خطوة نوعية في مسار ترسيخ دولة الرعاية الاجتماعية، وتحديث مقاربات الحماية والعدالة، لاسيما لفئة الأمهات العاملات.

أولًا: مضمون مشروع القانون المعدل

جاء مشروع تعديل القانون رقم 11-83 المؤرخ في 2 يوليو 1983، ليُترجم التوجيهات الرئاسية إلى نصوص قانونية ملزِمة، ويؤسس لرؤية جديدة في مجال الحماية الاجتماعية للمرأة العاملة، من خلال:

ولعلّ أهم ما يميز هذا المشروع هو تجاوزه لمعايير منظمة العمل الدولية رقم 183، التي تحدد الحد الأدنى لعطلة الأمومة بـ14 أسبوعًا، في حين بلغ مجموع العطلة في النص الجزائري 21 أسبوعًا (مع إمكانية التمديد)، مما يضع الجزائر في مصافّ الدول المتقدمة تشريعيًّا في هذا المجال.

ثانيًا: الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمشروع

تتعدى آثار مشروع القانون الجوانب الصحية، لتشمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية أوسع:

ثالثًا: أساسٌ حمائي واضح

يندرج مشروع تعديل عطلة الأمومة ضمن روح الدستور الجزائري والتزاماته الاجتماعية، لاسيما المادة 71 التي تنص صراحة على أن “الأسرة تحظى بحماية الدولة”، وهو ما يُعدّ تأصيلاً دستوريًّا لواجب الدولة في تأمين الاستقرار الأسري، وضمان الرعاية الاجتماعية للفئات الضعيفة، وفي مقدمتها النساء والأمهات.

كما يمكن استنباط حماية المرأة الأم من المادة 40 من الدستور، التي تقرُّ بوجوب حماية المرأة من كل أشكال العنف، “في كل الأماكن والظروف”، وهي صيغة موسَّعة تشمل الحماية من الظروف المهنية أو الصحية المُرهقة خلال فترة الحمل أو ما بعد الولادة، بما في ذلك أي ضغوط إدارية أو اقتصادية قد تمسّ بكرامة المرأة أو صحتها الجسدية والنفسية.

لعلّ أهم ما يميز هذا المشروع هو تجاوزه لمعايير منظمة العمل الدولية رقم 183، التي تحدد الحد الأدنى لعطلة الأمومة بـ14 أسبوعًا، في حين بلغ مجموع العطلة في النص الجزائري 21 أسبوعًا (مع إمكانية التمديد)، مما يضع الجزائر في مصافّ الدول المتقدمة تشريعيًّا في هذا المجال.

إن هذا الإسناد الدستوري لا يضفي الشرعية فقط على تعديل القانون، بل يمنحه قوة حماية تأسيسية تُمكِّن من توسيع نطاقه وتأويله لصالح الفئات الاجتماعية المعنية، وبخاصة النساء في وضعيات هشاشة.

رابعًا: محاور تطويرية

رغم المزايا النوعية لمشروع القانون، إلا أن الطموح نحو عدالة اجتماعية شاملة يدعو إلى اقتراح جملة من التطويرات المستقبلية، تتمثل في:

خامسًا: مقارنة مرجعية مع تجارب دولية

في سياق تقييم مشروع القانون الجزائري، يبرز البعد المقارن كأداة تحليلية مفيدة، خصوصًا عند مقارنته مع تجارب دولية رائدة:

فرنسا: تمنح المرأة عطلة أمومة قانونية مدتها 112 يوم (16 أسبوعًا)، منها 6 أسابيع قبل الولادة و10 بعدها، مع إمكانية التمديد إلى 26 أسبوعًا في حالات الولادة المتكررة أو التوائم. ويُصرَف التعويض بنسبة 100% من الأجر الأساسي، لكن في حدود سقف قانوني محدَّد لا يشمل كل الامتيازات.

كندا: تعتمد نظامًا مزدوجًا؛ إذ تستفيد المرأة من عطلة أمومة لمدة 15 أسبوعًا بتعويض يعادل 55% من أجرها، تُصرف من نظام التأمين على العمل. ويمكن للأبوين بعد ذلك تقاسمُ عطلة والدية إضافية تصل إلى 61 أسبوعًا حسب اختيارهم.

السويد: تعدُّ من بين أكثر الدول سخاءً في هذا المجال، إذ تمنح 480 يوم من عطلة الوالدين تُقسَّم بين الأم والأب، وتُعوَّض بنسبة 80% من الراتب لأول 390 يوم، على أن تُصرف الأيام المتبقية بمبلغ ثابت. ويُخصَّص جزءٌ من هذه العطلة إجباريًّا لكل من الوالدين لتشجيع المشاركة.

وبناءً عليه، فإن مشروع القانون الجزائري المعدَّل يُعدّ متقدمًا على العديد من التجارب في نواحٍ عدة، لاسيما من ناحية نسبة التعويض الكاملة (100%)، وطول المدة (150 إلى 165 يوم)، مما يكرّس تحولًا حقيقيًّا في منطق الحماية الاجتماعية في الجزائر.

نحو تكريس دولة الرعاية

إن مشروع تعديل أحكام عطلة الأمومة لا يعكس فقط وفاءً بالتزامات سياسية أو تعاقدات دولية، بل يؤسس لتحوُّل نوعي في منطق التشريع الاجتماعي، يُمكّن المرأة، ويحصّن الأسرة، ويعزّز التضامن الوطني.

وهو خطوة في الاتجاه الصحيح، شريطة أن يُستتبع بمواكبة إدارية دقيقة وتوسيع تدريجي للحقوق نحو فئات أوسع، وبذلك يصبح التشريع أداة فاعلة لحماية رأس المال البشري وتعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية في الجزائر الجديدة.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في سن النصوص، بل في تفعيلها على أرض الواقع، ومواكبتها بالتقييم المستمر، لتظل الأمومة محمية، والأسرة مستقرة، والمواطنة الاجتماعية قائمة على التمكين لا الحماية فقط.

وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح التوصيات التالية:

كما يُسجَّل بإيجابية القرارُ السياسي لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بإطلاق هذا الإصلاح، بما يعكس اهتمامًا ملموسًا بترقية الحقوق الاجتماعية للمرأة والأسرة، ويعطي دفعًا لمسار الحماية الاجتماعية في الجزائر.

مقالات ذات صلة