نحو تمركز الثروة في يد “أقلية ريعية” تحارب الإنتاج
كشفت المؤشرات المالية الصادرة عن بنك الجزائر المركزي أن صادرات البلاد من المحروقات في الفترة بين جانفي 2000 وديسمبر 2013 بلغت 670 مليار دولار، مما فتح الباب على شراهة إنفاق غير مسبوقة في تاريخ الجزائر بدون مساءلة وبدون الوقوف عند حصيلة موضوعية تسمح بتصحيح الخلل المسجل والحد من الإخفاقات إن وجدت.
وسجلت الجزائر خلال الفترة المذكورة معدل نمو حقيقي أقل من 3 % في حين كان يفترض تحقيق نمو فوق 10 % بين 2000 و2013 بالمقارنة مع حجم الإنفاق العام الذي نفذته الدولة والذي مكن من تمركز خطير للثروة في يد أقلية ريعية تحارب الإنتاج وتعمل على منع تنويع الاقتصاد الوطني.
وهو ما يعني ضرورة الوقوف بقراءة نقدية لأرقام محافظ بنك الجزائر الخاصة بالتضخم في الجزائر، فعندما يقول محافظ بنك الجزائر إن معدل التضخم العام بلغ 8.9 ٪ العام الماضي، فإن المواطن الذي يبلغ دخله 20 ألف دينار تكون معاناته أسوأ من التضخم بمقارنة مع المواطن الذي يبلغ دخله 300 ألف دج، لأن الأول يوجه 70 % من دخله لشراء الخبز والحليب والمواد الغذائية الأساسية أما الثاني فلا يوجه أزيد من 10 ٪ لشراء المواد الأساسية.
وعلى هذا الأساس يتم قيام انعكاس التضخم، وهو النقاش الذي ترفض الحكومة وبنك الجزائر الخوض فيه بنفس الطريقة التي يتم بها الهروب من فتح ملف القطاع الموازي الذي أصبح يمثل حوالي 66 مليار دولار أي 30 % من الناتج الداخلي وحوالي 12 ألف شركة وهمية بحسب أرقام وزارة التجارة.
وبلغ حجم الإنفاق العام بين 2001 و2003 الذي عرف ببرنامج إنعاش الاقتصاد بما يعادل 7 مليارات دولار، قبل أن يكشف رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في الثلاثي الأخير من عام 2011 أن إجمالي الموارد العامة التي رصدت للفترة بين 2004 و2014 تقدر بـ500 مليار دولار.
وفي 2010 أعلنت الحكومة رسميا أن مبلغ 130 مليار دولار هو المتبقي للإنجاز من مشاريع المخطط الخماسي الثاني 2004 إلى 2009.
وبهذا الشأن أعلنت المديرية العامة للتوقعات والسياسات بوزارة المالية في 7 ماي 2013 أن البرنامجين الخماسيين الأول والثاني خصص لهما 100 مليار دولار و386 مليار دولار على التوالي، بمعنى أن إجمالي الغلاف المالي للمخططين يقدر بـ386 مليار دولار للعشرية 2005 إلى 2014.
ويعود الفارق المسجل بين مستوى الإنفاق الحقيقي والغلاف الإجمالي الذي رصد بين 2004 و2014 والمقدر بـ500 مليار دولار، إلى ضعف طاقة الاستيعاب الوطنية في مجال الاستثمارات المقررة وخاصة في مجال الأشغال العمومية.
وهنا يكون من الضروري السؤال: لماذا الحديث عن مستوى إنفاق في حدود 500 مليار دولار قبل تسقيف البرنامجين عند 386 مليار دولار قبل تقديم حصيلة مفصلة بالأرقام وبالمنجزات من طرف الهيئات الرقابية المختصة ومنها الهيئات الرسمية تحت وصاية وزارة المالية.
وطالب الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول في تصريحات لـ”الشروق”، الحكومة بإعطاء توضيحات كافية عن الفارق الكبير البالغ 144 مليار دولار، مضيفا أن هذا الفارق قد يكون سببه ضعف مستوى الإدماج الوطني الذي لا يتعدى في الجزائر 15 % فيما يتم استيراد 85 % من المدخلات من الخارج، مشيرا إلى التطورات التي تحققت في مجال احتياطات الصرف التي قفزت من 110 مليار دولار عام 2007 إلى 188 مليار دولار عام 2011 و191.86 مليار دولار نهاية سبتمبر الفارط بحسب محافظ بنك الجزائر، فضلا عن 173 طن من الذهب الذي لم يرتفع منذ 2009 على الرغم من إنتاج كميات من المعدن الأصفر بولاية تمنراست لقرابة 10 سنوات.
ومعروف أن احتياطات الصرف الجزائرية ناتجة عن الريع وليس عن الإنتاجية في القطاعات الحقيقية.
وكشف المتحدث أن الحكومة تمارس سياسة هروب إلى الأمام مقصودة لمواجهة توسع عجز الميزانية والخلل الخطير المسجل في ميزان المدفوعات حيث يتم اللجوء إلى التلاعب بسعر صرف الدينار أمام العملات الرئيسية وخاصة الدولار من أجل رفع الجباية البترولية بطريقة مصطنعة لتغطية عجز الميزانية غير مبالية بالضغوط التي تتحملها المؤسسات والأسر من تخفيض الدينار، بالإضافة إلى اللجوء المبالغ فيه إلى رفع الرسوم على المواد المستوردة مستفيدة من التوسع الرهيب لفاتورة الواردات نتيجة تراجع معدلات التصنيع المحلي على الرغم من عمليات التطهير المتعددة التي مولتها الدولة عن طريق الخزينة العمومية والتي بلغت 65 مليار دولار في الفترة بين 1971 و2012 والتي كانت لها نتائج عكسية بعد أن بلغت فاتورة الواردات 65 مليار دولار عام 2013 وصادرات خارج المحروقات لا تتعدى 2 مليار دولار أغلبها من مشتقات نفطية وهنا يجب الإشارة إلى التحديات الحقيقية التي تواجه الحكومة بعد 2014 والتي تتمثل أساسا في رفع القدرة الشرائية الحقيقية للجزائريين من خلال تحسين الإنتاجية وتنافسية الاقتصاد الوطني والحد من الدعم غير العادل للأغنياء على حساب المحتاجين الحقيقيين للدعم والذي يكلف خزينة الدولة سنويا حوالي 15 مليار دولار.