-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحو تنمية غير مخادِعة!

نحو تنمية غير مخادِعة!
ح.م

التوزيع غير العادل للثروة اجتماعيا أو “مناطقيا” أو “مجاليا”، من الأسباب التي جعلت التنمية لا تحقق مبتغاها والفساد السياسي وسيطرة الأوليغارشية على الحكم ومؤسسات الدولة كانت السبب الرئيس في انتكاسة مشاريع التنمية، ما جعلها تنمية مخادعة.

اليوم، والجزائر الجديدة تخطو نحو آفاق جديدة، فإن النموذج التنموي المنتظَر عليه أن يتعامل مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتنمية، ولا يكتفي بهذا، بل يجب أن يلامس الأسس السياسية للتنمية، لأن فساد التنمية أساسه الفساد السياسي.

ومهما حرصنا على وضع تنموي مستقل ونابع من معطيات واقعنا، فإنَّه بلا شك يبقي رهينة للأفكار التنموية العالمية وعلى رأسها الليبرالية، وأيضا لتشريحات ووصفات المؤسسات المالية الدولية، وفي ظل اقتصاد ليبرالي عالمي وعولمة متنامية، ولذا لابد من مراعاة بعض العوامل لنجاح أي مشروع تنموي ويتمثل ذلك في:

– نوع وطبيعة المؤسسات والرجال المنوط بهم النهوض بالمشروع التنموي وتنفيذ خططه.
– توفير وتنويع مصادر التمويل، وهذا للوصول إلى خيار وطني إستراتيجي وهو الأهمّ ويتمثل في: الاستثمار، والتنمية البشرية والتنمية المستدامة والتصنيع المتوازن، والحماية الاجتماعية، والعدالة في شتي المجالات .

وحتى نحقق هذا الخيار الاستراتيجي التنموي النموذجي، لابد من انخراط ثلاثة عناصر في عملية التنمية وهي:

-الخبرة الوطنية التي تضمُّ الجوانب التقنية والعلمية والفكرية والكفاءات.
– المشاركة الشعبية من أجل تحديد الحاجيات وتحديد الطموحات على المستوى المحلي والجهوي والوطني.
– المشروعية الديمقراطية؛ أي الرجوع إلى الأجهزة التمثيلية أو إلى الشعب مباشرة عن طريق الاستفتاء، وهذا يقتضي تكريس وتوطين ديمقراطية حقيقية ومنع وتوقيف كل مظاهر التزوير أو مصادرة الإرادة الشعبية في جميع المحطات الانتخابية .

ثم إن التنمية عليها أن ترتبط وتتجلي حسب طبيعة المكان التاريخية والسوسيوثقافية ولذلك يقول الفيلسوف الألماني نيتشة: “التاريخ هو التنمية”، فلا معنى لتنمية تتجاهل الذاكرة والتاريخ والقيم وتدوس على الموروث الحضاري وتتجاوز القيم.

كل تفكير في أشكال التنمية مهم شريطة أن يستحضر تركيبية الإنسان وتعقيدات الواقع إضافة إلى الخلفية الفلسفية ومنظومة القيم.

إن إشكالية التنمية في عصرنا بمفهومها الغربي المخادِع الحالي مقرونة بجشع النظام الرأسمالي الذي يراكم الثروات باستغلال الفقر والبطالة والفوارق الطبقية كمحرك أساسي له، ويعتبر “جيلبرت ريست”، الفيلسوف السويسري المتخصص في العلوم السياسية، أن ظهور مفهوم التنمية أول مرة بشكله الحالي يعود إلى أحد الخطابات الشهيرة للرئيس الأمريكي “ترومان” عقب نجاحه في الانتخابات وتنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945، ففي هذا الخطاب التاريخي صنع مفهوم التنمية، إذ حوَّل هذا اللفظ من لفظ عادي يُنسب إلى الأشياء التي تنمو في الطبيعة إلى ربطه بالبلدان.

ووضح “ريست” أن المثير في مفهوم التنمية هو “خلقه لمشاعر الأمل لدى الدول المتخلفة، فبعد أن اختفى التصنيف الذي يقسم العالم إلى دول مستعمِرة وأخرى مستعمَرة، صار الجميع معتنِقا للتنمية، مع الاعتقاد بأن خط الوصول في هذا السباق سيوصل الدولَ المتخلفة إلى مراتب الدول الأخرى التي سبقتها إلى التقدُّم”.

وعَرَّف الفيلسوف التنمية بكونها “تحويلا للعلاقات الاجتماعية وعلاقة الإنسان بالطبيعة إلى خيرات قابلة للتسويق، وهو ما يحصل بالفعل في الدول المتقدمة، معتبرا أنها مفهومٌ غربي محض، ارتبط بالثقافة الغربية التي دخلت منذ القرن 18 في سباق محموم ولا متناهٍ على تحقيق النمو”.

وفي عودة إلى تاريخ الحضارة الغربية، يضيف المفكر السويسري أن القرن الـ18 تميَّز بإعلان الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها، مع إعلان حق الأفراد في السعادة، إضافة إلى استعمال البشرية للمرة الأولى للمحرك الانفجاري مع جيمس واط، وميلاد علم الاقتصاد مع نشر أول كتاب لآدم سميث، وحسب المتحدث فهذه الأحداث الثلاثة أدخلت البشرية في مرحلة من تغريب العالم (أي إكسابه سمة غربية).

وعَرج ريست على الرأسمالية بوصفها صيغة حالية معاكسة لنموذج اشتراكي باء بالفشل، قائلا “إنها انتعشت في القديم بالاستعمار ونهب ثروات الدول المستعمرة، ويضيف أنها اليوم تنتعش بشكل جديد من الاستعمار غير الاقتصادي والسياسي، موضحا أن المؤسف هو تواطؤ الضحايا مع من يمارسون عليهم هذا العنف الرمزي. وهو حسب رأيه أخطر من الاستعمار التقليدي”.

ولذلك لابد من وجود دول ممانعة ترفض النموذج الغربي للتنمية وتصنع لنفسها نموذجا متلائما مع متطلباتها وطبيعتها وتوجهاتها وقيمها.
لهذا، فإن التفكير في النموذج التنموي المتلائم مع بلدنا “يدخل في صميم اهتمام الجامعة بما يسمح للبلاد بالتقدم في جميع الميادين الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية والسياسية”.

لذلك، فإن الجامعة الجزائرية مدعوّة للانكباب على مسألة النموذج التنموي المتلائم معنا بما تتوفر عليه من مفكرين وباحثين يمكنهم المساهمة في هذا الصدد.

ولأجل كل هذا وذاك، فإننا بحاجة إلى حلولٍ جذرية لا ترقيعية، إنْ على المستوى السياسي أو تركيبة الحكومة وعلى مستوى المنظومة القانونية والدستورية والقطع مع كل ممارسات الماضي خطابا وسلوكا ولغة وتقويض مكامن الفساد والبيروقراطية على جميع الأصعدة والمستويات، فلا يمكن مثلا لتنميةٍ أن تكون إذا ما خضعنا إلى منطق خلق مؤسسات بيروقراطية تأخذ أموالا أكثر مما تنتج تنمية. ولا تنمية بالدوران في حلقة مفرغة للبحث عن مقرات إدارية ومكاتب بيروقراطية مشتتة ترهق المواطن وتبتلعه في دهاليزها مع ممارسات تتكرر. على سبيل المثال، فإن الولايات المنتدَبة هي بحاجة إلى خطة عمل من كفاءات ولجان متخصصة ترسم لها أفقها على مدى ثلاثين سنة بعيدا عن تهويمات حزبية أو نظرات عروشية أو تفكير بالي لا يدرك معنى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!