الرأي

نحو تهويد الثقافة المغربية

د. أمين كرطالي
  • 1628
  • 0

منذ التّطبيع المعلن للعلاقات المغربية مع دولة الكيان، أو ما يُسمّيه الإعلامُ المخزني “استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية”، بدأت تتسارع عمليّات ترسيم الثّقافة اليهودية من أجل فرضها على الأغلبية المسلمة بالمغرب، في إطار المساعي الرامية إلى تهويد الفكر والثقافة المغربية.
وكان المغرب حتّى قبل إعلانه عن التّطبيع قد خطا خطوات كبيرة نحو التّمكين للثقافة العبرية، وقد كشفت مؤسسة “أليانس” عن المدارس اليهودية بالمغرب، خصوصا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقبل رُبع قرن تمّ فتح متحف التراث اليهودي المغربي في حي الوازيس بمدينة الدار البيضاء من أجل التعريف بتاريخ اليهود المغاربة وعاداتهم وتراثهم وأساليب عيشهم، وما يرتبط لديهم بالفن والموسيقى والأزياء والطبخ والطقوس الدينية.
ومؤخّرا فُتحت أربعُ مدارس كبرى في الدار البيضاء يدرس بها حوالي 600 تلميذ نصفهم مسلمون والنصف الآخر يهود. كما شرعت عدة مدارس مغربية حكومية في إدراج اللغة العبرية ضمن مقرراتها الدراسية، مع إعطاء أهمية كبيرة للرافد العبري واعتباره المثل الأعلى.
وبخطى ثابتة من أجل تهويد الفكر المغربي تحت مسمّى “إصلاح التعليم” و”التسامح الديني” ظهرت مبادراتٌ متتالية لإحياء تراث وثقافة اليهود وتدريسها في مناهج التعليم، خصوصا بعد تدشين الملك المغربي الملك محمد السَّادس “بيت الذاكرة” اليهودية بالصويرة الذي تمت إقامته عبر ترميم معبد يهودي قديم. وكان ذلك تجسيدا لمُخرجات مشروع “علاء الدين” الذي أطلقته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) قبل عقدين ونيف ويهدف هذا المشروع إلى مسخ الثقافات المحليّة بدعوى “مدّ الجسور بين الثقافات والأديان” و”نبذ ظاهرة معاداة السامية”.
إنّ هذه المساعي الحثيثة لفرض ثقافة هجينة لأقليّة لا تتعدّى 2500 يهودي على الأغلبية السّاحقة من الشّعب المسلم ليست وليدة اليوم، بل هي ثمرة عقود من الخيانة والصفقات المشبوهة بين البلاط المغربي والصهيونية العالمية، تلك الصّفقات التي دشّنها الحسنُ الثاني عقب حمايته لليهود أيّام حكومة فيشي خلال الحرب العالمية الثانية. وبعدها تمّ إبرام اتفاقية بين الحسن الثاني والصهيونية العالمية من أجل تسهيل عمليات تهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين وهو ما ساهم في تزايد قوّة دولة الكيان، ومقابل ذلك تحصّل الحسن الثاني على ملايين الدولارات كانت كافية ليبيع نظام المخزن شرفه في خيانة للأمّة.
لقد وثّق هذه الخيانةَ المؤرّخُ اليهودي يغّل بن نون، وبموجب هذه الاتفاقية قلّت أعداد اليهود المغاربة؛ فبعد أن كانوا يتجاوزون 265 ألف يهودي في سنة 1948م، لم يتبقّ منهم بعد حرب 67 سوى 35 ألفاً، ليتقلّص هذا العدد إلى 2500 مواطن يهودي، وذلك بسبب تزايد الرفض الشعبي لليهود خصوصا بعد نكسة 1967 وما تلاها من حوادث.
إنّ مساعي فرض الثقافة العبرية بالمملكة المغربية ليست وليدة اليوم، بل ترجع بالأساس إلى أيّام الحماية الفرنسية على المغرب؛ إذ شكّلت العائلات اليهودية طبقة أرستقراطية حظيت باهتمام بالغ، وسُمح لها بأن تُسيطر على بعض المراكز الحسّاسة، كمستشارين ومُلّاك لبعض دور السينما والمسرح، وفي ثلاثينيات القرن العشرين صارت الإذاعة المغربية منبرا لنشر الثقافة اليهودية مع السعي إلى تدمير أخلاق المجتمع المغربي، وهو ما نلمسه من خلال مقال مؤثّر نشرته جريدة “البصائر” لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1936م، كتبه مغربيٌّ دوّن اسمه هكذا “الفتى المغربي” بعنوان “آفة الراديو وخطره على الأخلاق”، إذ تحدّث صاحبُ المقال عن أهمية الاختراعات ودورها في تمدين المجتمعات وخدمة الإنسانية والنهوض بها، وتطرّق إلى بعض ما تحمله تلك المخترعات من أضرار جانبية ينبغي تلافي شرّها، وذكر منها الراديو وما تحمله بعض موجات الأثير من أغاني هابطة وكلمات بذيئة وأفكار مسمومة تؤدّي إلى سلخ المجتمعات من هُويتها وأخلاقها وعوائدها، وتساهم في تخريب البيوت وإفساد المرأة.
وبعد ذلك أشار إلى راديو المغرب فقال عنه: “ونلاحظ في الراديو المغربي فوق ذلك أنّه قد أكثرَ من إذاعة الاسطوانات اليهودية الممجوجة من لدنّ الأغلبية الساحقة من سكّان المغرب، ولم يلاحظ أنّ تلك الاسطوانات إنّما توافق أقلية ضئيلة من السكّان اليهود، على أنّها –هذه الاسطوانات لشيخاتٍ مبتذلات- مبعثُ الخطر والتهجم على الأخلاق. وليكون الراديو قد أدى مَهمَّته من نشر الثقافة بين الشعب مع المحافظة على الآداب العامّة فإنّنا نقترح على الحكومة إسقاط جميع الاسطوانات اليهودية من قائمة الإذاعة العامّة”.
إنّني وأثناء قراءتي لهذا الكلام تبادرت إلى ذهني عدّة ملاحظات، أوّلها: أنّ كاتب المقال متشبّعٌ بالثقافة الإسلامية وملمٌّ بالواقع، ورفض أن يُصرّح باسمه ربّما لكونه صاحب منصب سياسي أو ديني رفيع تفادى أن يحصل له صدامٌ مع الأقلية اليهودية التي كان يعلم بوجود من يدعمها، أمّا الملاحظة الثانية فهي أنّ الكاتب رفض أن تُبثّ الاسطوانات اليهودية رغم أنّ لغتها هي الدّارجة المغربية، وسبب رفضه أنّها منافية للذوق العامّ وصادرة عن أقلية، مع أنّ اليهود حينها كانت أعدادهم تفوق المئتي ألف، ولم تكن قد ظهرت دولةُ الكيان الغاشم، فكيف لو عاش صاحبُ المقال إلى يومنا هذا ورأى نظامَ المخزن وهو يفرض على الأغلبية الساحقة من المغاربة ثقافةَ 2500 يهودي؟

مقالات ذات صلة