الرأي

نحو نهجٍ جديدٍ في تعليم الرياضيات

تماشياً مع المسعى المبارك لافتتاحِ شعبةٍ جديدةٍ للمعلوماتيّةِ في التعليمِ الثانويِّ ابتداءً من الموسمِ الدراسيِّ 2028/2027، كخطوةٍ طموحةٍ نحوَ تطويرِ المنظومةِ التربويّةِ ورفعِ مستوى التحصيلِ العلميِّ وإعدادِ جيلٍ قادرٍ على مواجهةِ تحدّياتِ العصرِ ومتطلّباتِه، فإنَّ هذا التوجّهَ نحوَ تأهيلِ «المواطنِ الرقميِّ» لَيستحقُّ كلَّ تقديرٍ واعتزازٍ.

غيرَ أنَّ المتأمِّلَ لواقعِ تعليمِنا — وخصوصاً في مادّةِ الرياضياتِ والتي هي لغةُ المعلوماتيّةِ وأساسُها المتينُ الذي لا بديلَ عنه — يلمسُ فجوةً عميقةً بين ما نَطمَحُ إليه في المستوى الثانويِّ وما نُقدّمُه فعلاً في الفصولِ الدراسيّةِ، خاصةً منذُ السنةِ الأولى ابتدائي. وهذه الفجوةُ ليستْ ناتجةً عن نقصٍ في الجهدِ أو قلّةٍ في الوسائلِ بقدرِ ما هي ناتجةٌ عن تقديمِ المفهومِ مقلوباً، وتأخيرِ الحقائقِ الأساسيّةِ إلى حينٍ لا ينبغي تأخيرُها إليه أبداً.

وإنّني أرى من واجبي أن أتكلَّمَ بكلِّ تواضعٍ وأمانةٍ وصدقٍ، بصفتي متخصص في مجالِ المعلوماتيّةِ، وأيضا مَنْ قدَّمَ جزءاً من الحلِّ المتواضعَ في كتابي «مدخل إلى الأرقام والأعداد» — ذلك الكتيّبُ الصغيرُ الذي لا يتجاوزُ اثنتي عشرةَ صفحةً، والذى أُلِّفَ ليكونَ في متناولِ تلاميذِ السنةِ الأولى ابتدائيّ. فما أريدُ قولَهُ ليسَ رأياً شخصيّاً أو رغبةً في الجدالِ، بل هو استخلاصٌ لما رأيتُهُ من واقعِ تجربتِنا وما لمستُهُ من أثرِ هذا العملِ البسيطِ على مَنْ قرأَهُ وتعلَّمَ به.

أزمةُ البدايةِ: حينَ نُعلّمُ الشكلَ وننسى المفهومَ

إنَّ أوَّلَ وأخطرَ ما نُعانِيه في تعليمِنا الحاليِّ في المراحل الابتدائية، أنَّنا نبدأُ الطريقَ بخطوةٍ خاطئةٍ منذُ اللحظةِ الأولى. حينَ يدخلُ الطفلُ القاعةَ الأوّلَ، نقولُ له: «هذا الرقمُ واحدٌ.. اكتبْه واحفظْ شكلَه». ثمَّ: «هذا الرقمُ اثنان.. اكتبْه واحفظْ شكلَه». وهكذا. ولا نقولُ له: «ما معنى هذا الرقمِ؟ ولماذا شكلُهُ هكذا؟ وأينَ مكانُهُ من غيرِه؟». وهكذا نُرسّخُ في ذهنِ الطفلِ منذُ البدايةِ أنَّ الرياضياتَ ليستْ منطقاً مفهوماً بل رموزاً تُحفَظُ حفظاً لا معنى له.

ولمّا كانَ الأساسُ مُعوَّجاً فلا رجاءَ في بناءٍ يُقامُ عليه. فما زالَ التلميذُ يدرسُ تسعة سنواتٍ وأكثرَ ولا يُدركُ الفرقَ الجوهريَّ بين «الرقمِ» و«العددِ»؛ ذلك الفرقُ البسيطُ العميقُ الذي بيَّنتُهُ في كتابي: أنَّ الأرقامَ هي عشرةُ رموزٍ فقط — وهي حروفُ لغةِ الرياضياتِ — وأنَّ الأعدادَ كلَّها تُبنى وتُركَّبُ من هذه العشرةِ الرموزِ دونَ حاجةٍ إلى ابتكارِ شيءٍ جديدٍ. فإذا عرفَ الطفلُ هذه الحقيقةَ منذُ البدايةِ استطاعَ أن يستنتجَ بنفسِهِ أيَّ عددٍ مهما كبُرَ. وإذا لم يعرفْها ظلَّ يحفظُ كلَّ عددٍ كأنَّه شيءٌ قائمٌ بذاتِهِ فيعجزُ ويشعرُ بالصعوبةِ يوماً بعدَ يومٍ.

ومن أخطرِ ما نُؤخّرُهُ أيضاً ذلكَ الفرقُ الذي لا يُذكَرُ غالباً بين «الصفرِ» و«اللا شيءِ». فالصفرُ ليسَ العدمَ كما نُوهِمُ أطفالَنا، بل هو قيمةٌ عدديّةٌ لها وجودُها ومكانُها ووظيفتُها: هو المكانُ الموجودُ الذي لا قيمةَ فيه. أمّا «اللا شيءُ» فهو غيابُ المكانِ والقيمةِ معاً. هذا الفرقُ البسيطُ إذا فهمَهُ الطفلُ في السنةِ الأولى ابتدائيّ، فهِمَ أساسَ نظامِ الأعدادِ كلِّهِ. وإذا لم يفهمْهُ ظلَّ يُعانِي من حيرةٍ وخلطٍ مدى سنينِ دراستِهِ، وكما سمعتُ وسمعَ غيري كثيراً من التلاميذِ يقولون: «لم أُدركْ هذا الفرقَ إلا في السنةِ الأولى ثانويّ». فما بالُنا نُؤخّرَ الحقيقةَ تسعة سنواتٍ ونُعانِي ونُعانِي؟

لهذا جاءَ كتابي «مدخل إلى الأرقام والأعداد» ليقولَ بكلِّ بساطةٍ: «لماذا نُعقّدُ ما يسَّرَهُ اللهُ؟ ولماذا نُؤخّرُ ما ينبغي أن يُعطى في وقتِه؟». ففي صفحاتٍ قليلةٍ وبأسلوبِ قصّةٍ حواريةٍ شيّقةٍ على شكل شريط مصور، تُخاطبُ عقلَ الطفلِ ووجدانَهُ معاً، سعيتُ إلى تحقيقِ ما يلي:

أوّلاً: إزالةُ الحاجزِ النفسيِّ أولاً وقبلَ كلِّ شيءٍ. فبدلاً من أن نبدأَ بالقولِ: «الرياضياتُ مادةٌ صعبةٌ»، عرفت له الرياضيات وبكلِّ يقينٍ: «الرياضياتُ هي لغةُ العلومِ». فإذا فهمَ الطفلُ أنَّها لغةٌ لها حروفٌ وقواعدُ تماماً مثل لغتِهِ العربية واية لغة اخرى، انهارَ خوفُهُ فوراً وتحوَّلَ خوفُهُ إلى رغبةٍ في تعلُّمِ هذه اللغةِ واستكشافِها.

ثانياً: تقديمُ المفهومِ قبلَ الشكلِ والمعنى قبلَ الرمزِ. فقبلَ أن يرسمَ الطفلُ الرقمَ بأصابعِهِ على الورقِ أو اللوحة، أدركَ معناهُ بأصابع بيدِهِ في الواقعِ. فتعلَّمَ أنَّ الأرقامَ عشرةُ رموزٍ فقط، وأنَّ العددَ هو تركيبُ هذه الرموزِ، وأنَّ الموضعَ يُغيّرُ القيمةَ، وأنَّ الصفرَ قيمتُهُ ومكانُهُ — كلُّ ذلك في سنِّ السادسةِ وبأيسرِ الطرقِ وأوضحِها.

ثالثاً: كشفُ سرِّ شكلِ الأرقامِ وتاريخِها. فبيَّنتُ للطفلِ أنَّ شكلَ كلِّ رقمٍ عربيٍّ لم يأتِ اعتباطاً، بل هو هندسةٌ بحتةٌ: كلُّ رقمٍ رُسِمَ بعددِ الزوايا التي تساوي قيمتَهُ. وقلتُ له بوضوحٍ وثقةٍ: «واضعُ هذه الأرقامِ هو عالَمُنا ومفكّرُنا المسلمُ محمدُ أبو موسى الخوارزميُّ، في بغدادَ في القرنِ التاسعِ الميلاديِّ». فلمْ نُعطَي الطفلُ معلومةً رياضيّةً مجرَّدةً بل أعطيناهُ هويّةً وانتماءً وثقةً بأنَّ هذا المنطقَ منطقُهُ وهذا الإنجازُ إنجازُ أجدادِهِ.

رابعاً: التمييزُ الدقيقُ بينَ الصفرِ والعدمِ. فعلَّمنا أنَّ قبضةَ اليدِ في مكانِها هي الصفرُ — قيمةٌ في مكانٍ محدَّدٍ — وأنَّ إبعادَ اليدِ تماماً هو «لا شيءَ» — غيابٌ تامٌّ. فبهذا يُرسّخُ الطفلُ الأساسَ الصحيحَ منذُ البدايةِ ولا يُعانِي من هذا الخلطِ سنواتٍ طويلةٍ.

لماذا هذا النهجُ هو الطريقُ إلى المستقبلِ؟

وبصفتي متخصصا في مجالِ المعلوماتيّةِ، فإنَّني أرى أبعدَ من مجرَّدِ تعليمِ الأرقامِ. ذلك أنَّ المنطقَ الذي أسَّسَهُ الخوارزميُّ قبلَ 1200 سنةٍ — رموزٌ محدودةٌ، والموضعُ يُغيّرُ القيمةَ، والصفرُ يُثبّتُ المكانَ — هو نفسُهُ منطقُ الحواسيبِ والبرمجيّاتِ والذكاءِ الاصطناعيِّ الذي يُسيّرُ العالمَ اليومَ.

إنَّ الذين يظنُّونَ أنَّ لغةَ الذكاءِ الاصطناعيِّ هي الإنجليزيّةُ مخطئونَ وإن كثُروا. فالإنجليزيّةُ ليستْ سوى لغةٍ وسيطةٍ نكتبُ بها الأوامرَ، أمّا لغةُ الآلةِ الحقيقيّةُ التي بها تُفكّرُ وتُحسِبُ فهي الرياضياتُ — منطقُ الرموزِ والمنازلِ والقيمِ الذي وضعَ أسُسَهُ الخوارزميُّ. فإذا أردنا أن نُعِدَّ جيلاً يُبدعُ في المعلوماتيّةِ لا مجرَّدَ أن يستعملَ منتجاتِ غيرِهِ، فيجبُ أن نُعطِيَهُ لغتَها الحقيقيّةَ منذُ البدايةِ أي منذ السنة الأولى ابتدائي. ولغتُها الحقيقيّةُ ليستْ لغةَ الأجانبِ بل منطقُ الخوارزميِّ الذي ورِثناهُ ونسيناهُ، أي مادة الرياضيات.

ومن هنا فإنَّ افتتاحَ شعبةِ المعلوماتيّةِ في التعليمِ الثانويِّ قرارٌ حكيمٌ ومطلوبٌ، ولكنْ لا بدَّ أن نُدركَ أنَّ تهيئةَ التلميذِ لهذه الشعبةِ لا تبدأُ في المرحلة الثانويّةِ بل يبدأُ من السنةِ الأولى ابتدائيّ. فإذا جاءَ التلميذُ إلى الثانويّةِ وعقلُهُ مُبنيٌّ على الحفظِ الأعمى وتُركَتْ فيه المفاهيمُ الصحيحةُ فسيظلُّ عاجزاً عن استيعابِ أسُسِ المعلوماتيّةِ مهما كثُرَتِ الكتبُ والمخابرُ والحواسيب، وقد رأينا كيف ان شعبة الرياضيات يتخوف منها ابنائنا. وأمّا إذا جاءَ وعقلُهُ مُبنيٌّ على الفهمِ والمنطقِ الصحيحِ منذُ الصِّغَرِ فسيجدُ أبوابَ المستقبلِ مفتوحةً أمامهُ بكلِّ يُسرٍ وسهولةٍ.

نداءٌ إلى وزارةِ التربيةِ الوطنيةِ: نحوَ ثورةٍ في البدايةِ

لهذا فإنَّني أتوجَّهُ القائمين على وزارة التربية بكلِّ تقديرٍ وأقولُ: إنَّ ثورتَنا الحقيقيّةَ لا تكونُ باستيرادِ التقنيّاتِ والمخابر والحواسيب، ولا ببناءِ المبانيِ وحدَها، بل تكونُ بتصويبِ الفكرِ منذُ البدايةِ. إنَّ الحلَّ ليسَ بعيداً ولا مكلفاً ولا غريباً عنّا، بل هو موجودٌ بينَ أيدينا في تراثِنا والبداية في هذا الكتابِ الصغيرِ الذي قدَّمتُهُ وهو مدخل الى الأرقام والأعداد وهو مجاني.

فاسمحوا لي أن أقترحَ عليكم ما يلي:

أوّلاً: أنْ نُعطِيَ تلاميذَ السنةِ الأولى ابتدائيّاً المفاهيمَ الصحيحةَ للرياضياتِ كما بيَّنَها كتابُ «مدخل إلى الأرقام والأعداد». أنْ نُعلِّمَهُم الفرقَ بينَ الرقمِ والعددِ، وبينَ الصفرِ والعدمِ، وأنْ نُعلِّمَهُم أنَّ الرياضياتِ لغةٌ منطقُها واضحٌ ومصدرُها عزيزٌ علينا.

ثانياً: أنْ نُدرِّبَ الأساتذةَ على هذا النهجِ. فالمشكلةُ ليستْ في التلميذِ بل في الطريقةِ التي نُعلِّمُ بها. فإنْ فهِمَ الأستاذُ الفرقَ بينَ الحفظِ والفهمِ، وبينَ الرمزِ ومعناهُ، استطاعَ أن يُخرِجَ لنا جيلاً يُفكّرُ لا جيلاً يَحفَظُ.

ثالثاً: أنْ نربطَ دائماً وأبداً بينَ تعليمِ الرياضياتِ وبينَ مستقبلِ المعلوماتيّةِ. فليَعْلَمِ الجميعُ: إنَّ الذي نُعلِّمُهُ اليومَ في الصفِّ الأولِ هو أساسُ ما سيدرُسونَهُ في شعبةِ المعلوماتيّةِ بعدَ تسعة سنواتٍ. فإذا أخطأنا في الأساسِ أخطأنا في كلِّ شيءٍ. وإذا أصَبْناهُ أصَبْنا الطريقَ كلَّهُ.

مقالات ذات صلة