نخبتان: سامة.. وفاشلة
يقتضي الحديثُ عن المجتمع وما فيه من مشكلات وقضايا ومسائل مركّبة ومعضلات متفاقمة، وأفق أقرب إلى أن يكون مسدودا بلا أفق مفتوح، وأعني هنا تحديدا المجتمع الجزائري الذي نحن جزء منه، الكثيرَ من الصراحة والجدية، كما يستوجب أيضا الكثير من الجرأة والصدق، بما في ذلك من قسوة وإيلام.
إن المتأمل في مجمل المجريات والأوضاع لابدّ أن يُصاب بـ”الفزع” لسوء ما وصل إليه الحال في عديد الميادين ومختلف المناشط الإنسانية في بلدنا: اجتماعية، اقتصادية، أخلاقية، ثقافية، دينية… وبالتأكيد سياسية. فما هو السبب في كل هذا الذي يعاني منه المجتمع؟ وما السبب في كل هذه الأمراض المعنوية وغير المعنوية التي تنهش جسمه الغض الطري وتأكل رصيده من كل خير وفضل؛ من الشباب والكوادر والأجيال الصاعدة التي نراها جميعا تنحدر رويدا رويدا نحو “مهاوي” المجهول؟
في تصوري: السبب الرئيس في كل ذلك هي النخبة.. أو شئنا التوسع قلنا: النخب.
إنها النخبة، أو على الأقل السبب الأكبر .. هذا تصوري على كل حال ورأيي أدلي به بوضوح؛ قصد النصح والتوجيه والتعبير عن الفكرة، من منظور الكشف والنقد الذي أراه السياق المناسب لمدارسة المشكلات المجتمعية خاصة، فليس بالتستر، وليس بالتجميل والتزويق، وليس بالخداع والكذب، وليس بالتزلف الذي يُسقط الهمة والمروءة عن الإنسان.. ليس بكل ذلك يكون التعبير عن الرأي، ومناصحة قادة المجتمع والمتحكمين فيه المسيّرين لشؤونه.
دون دخول في التفاصيل يمكن القول: إن مفهوم النخبة غربا وشرقا يدخل في معنى “تلك االشريحة من الناس المثقفين المتعلمين الذين نالوا نصيبا عريضا من المعارف والعلوم والثقافة أتاحت لهم أن يكونوا في مقام “صانع الرأي” وقائد الرأي.. والمؤثر، والمسيّر… الخ، وتوزعوا بحسب اختصاصاتهم وميولهم على حقول المجتمع والدولة وميادين العمل والنشاط، فكانوا منه بمثابة الرأس من الجسم. وخولهم ذلك امتيازاتٍ وإمكانات ومددا ومالا ومادة وأجهزة وموارد مختلفة.
ولكن في الأدبيات الحقيقية الخاصة بالنهوض والشهود الحضاري، تقتضي تلك المكانة أن تكون النخبة، في أي مجال كانت وأيا كانت مهنتها الأصلية، في حقيقتها مسؤولة، أي لديها إحساس عال بالمسؤولية، وأن ذلك المقام (النخبة/ الصفوة/ الخاصة) يحمل من معاني التكليف أكثر مما يحمل من معاني التشريف؛ فهو يستوجب أخلاقيا وعلميا وإنسانيا التضحية والمبادأة والمبادرة والعطاء والبذل ومضاعفة الجهد وإنكار الذات أكثر مما يستوجب ويستلزم الأخذ، وكل ما في معناه من الحيازة والتملّك والامتلاك، واستخدام النفوذ، كما هو حالنا الأسيف.
والسؤال الجدير بالطرح هنا: ما هو حال نخبتنا في الجزائر؟
لن يكون مفيدا التوصيف الدقيق والتفصيل في مختلف النخب، بحسب التخصصات والاهتمامات والمهن والوظائف، ولكن على العموم يمكن الحديث عن نوعين رئيسين كبيرين من النخب.
1 ـ أما الأولى فأسميتُها في العنوان “النخبة السامّة” وهي النخبة المتنفذة الواصلة المفيدة، وهي في واقع الحال، التي بيدها مقاليد الأمور والتسيير والإدارة والتدبير. وبالنظر إلى ما هو عليه الواقع، يمكن الحكم بحزم عليها أنها “نخبة غير نافعة” فهي لم تنفع المجتمع، ولم تُفلح في القيادة والتسيير، في كل القطاعات بل ـ على العكس من ذلك ـ هي التي تتحمل كامل المسؤولية فيما وصلت إليه الأوضاع من تردٍّ وانحطاط وهوان وفوضى وسوء تقدير وسوء تدبير. ويتيح لنا ذلك، كما يتيح لنا التعمق في دراسة بنيتها القول: إنها “نُخبة” انتفاعية طفيلية تعيش على الريع ـ خاصة الريع الكبيرـ ولا تهتم في الغالب إلا بمنافعها، دون أن ينفي ذلك عن طبقة منها أنها ذات إيديولوجية، غالبا، متغرّبة، متعالية، محتقرة لغيرها، لا تشعر بشعور الجمهور الواسع، ولا تهتم بما يهمه وينفعه. بل ربما قد تعمل على نقيض ما يريده، وتلك هي التي تنطبق عليها صفة” السامة “تحديدا، وهو الحال عندنا في التعليم والثقافة والبنوك والمالية، وكثير من القطاعات الأخرى. تأتي هذه “النوعية” من النخبة بما ينقض ويناقض ويصادم مراد المجتمع في قيمه ومبادئه ومعاشه وحياته كلها. ودون أن ينفي هذا الحكم وجود أقلية خيّرة من كل الوجوه، لكن العبرة بالأغلب والأكثر.
2 ـ أما النخبة الثانية، فهي التي تمثل فيما أتصور أكثرية ساحقة من النخب المتعلمة المثقفة وتشمل عشرات الألوف من الأشخاص، رجالا ونساء، الذين واللائي أوصلهم علمهم وثقافتهم إلى كثير من المناصب وأتاح لهم الحصول على مكانة اجتماعية ما، كما سمح لهم بالوصول إلى مناصب شتى في مختلف القطاعات، فمنها إطاراتٌ سامية، ومنها كوادر قيادية، ومنها موظفون ذوو شأن…
ولكنها من منظور واقعي وتحليل اجتماعي نزيه هي نخبة أقرب إلى نقيضها أي (غاشي)، أي فئات هامشية لا قيمة لها، ولا تأثير ولا شأن. “تعتاش” وكفى. قد تهتمّ بمصالحها وتجتهد في تحصيل مآربها وتحقيق أهدافها الشخصية الذاتية الأنانية لا غير، ولكنها ـ هي الأخرى ـ غير ذات نفع. والواقع أنها هي التي همّشت نفسها بنفسها؛ ففيها الكثير من أهل الصدق والصلاح والجد، وفيها إطارات ذات قيمة وذات أخلاق، ولكنها في عمومها فشلت في أن تثبت وجودها وتحقق المراد المطلوب منها وهي أن تكون نافعة، وأن تكون لغيرها قبل نفسها، وأن تكون أقرب إلى التضحية والبذل منها إلى غيرهما، فأقرب ما يمكن وصفها به هو “الفشل”؛ إذ هو النتيجة والحصيلة في النهاية لنقص أدائها وانكماشها وضعفها وقلة تدبيرها. لم تستفد من ثقافتها في إحداث التغيير وفرض نمط تدبير في صالح المجتمع يقوده نحو النهوض والنهضة والتقدم والازدهار والرخاء.. وكان لنكوصها دوره في الإزراء بالمجتمع وتراجعه الذي لا يزال يمتدّ ويمتدّ حتى يصل إلى نهايته المحتومة وهي الخسارة والسقوط .
والنخبتان معاً هما سبب ما يعيشه المجتمع؛ الأولى باندفاعها وتهوّرها وتغوّلها وتنفّذها وأنانيتها، والثانية بهوانها وانكماشها وتراجعها عن أداء دورها.