الرأي

نداء العصافير..!!

مروان ناصح
  • 5412
  • 5

تحدثنا أسطورة يونانية عن رسام يدعى “زويكسيس”.. رسم لوحة لعنقود من العنب، فهبطت العصافير، وراحت تنقر حبات العنب.. فقد كان من المهارة بحيث جعل العنب مطابقاً للحقيقة.. ولكن الفنان قضى حياته – بعد ذلك – باكياً حتى الموت..!! لماذا؟؟ لأنه كان قد رسم في تلك اللوحة‮ ‬‭-‬‮ ‬أيضاً‮ ‬‭-‬‮ ‬رجلاً‮ ‬يحمل‮ ‬بيده‮ ‬عصا‮ ‬لتخويف‮ ‬العصافير،‮ ‬ولكن‮ ‬العصافير‮ ‬لم‮ ‬تخف‮.. ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنه‮ ‬نجح‮ ‬في‮ ‬رسم‮ ‬العنب‮.. ‬وفشل‮ ‬في‮ ‬رسم‮ ‬الرجل‮ ‬الحارس‮..!! ‬يا‮ ‬للندم‮ ‬القاتل‮..!!‬

 

حكاية هذا الفنان الإغريقي البائس تقفز إلى ذاكرتي كلما قرأت تقديماً لإحدى الروايات أو أحد المسلسلات في صيغة ملاحظة تقول: “كل ما يرد في هذا العمل من أحداث وشخصيات هي محض خيال.. أو مصادفات بلا معنى..”!!

ماذا تعني هذه الملاحظة قياساً إلى حكاية الفنان “زويكسيس”؟؟ إن أول ما يتبادر إلى الذهن أن صاحب هذا العمل يريد أن يبرئ نفسه من “تبعات” أيّة “شخصنة” محتملة، يمكن أن تدفع به إلى مواجهة ساخنة مع أشخاص حقيقيين أو اعتباريين؛ لن يقابلوا عمله هذا بغير الإدانة والحقد والانتقام..!! وهو يدرك سلفاً أنه يتحرك فوق “سطح من الصفيح الساخن” وأن ثقته في فنه مهزوزة.. لأن البيئة التي يعيش فيها لا تغتفر لأحد أن يقترب من الحقيقة.. ولو بالخيال..!! ولطالما مثلت عمليات “الشخصنة”: (إزاحة الأقنعة عن وجوه الشخصيات الروائية أو الدرامية لتنكشف عن أشخاص من المشاهير محددي الملامح يعيشون بيننا) أحد أهم وسائل التشويق التي يلجأ إليها النقاد، والفضائحيون المحترفون، وذوو الأغراض السياسية، لما تنجزه من إصابات محققة في أهداف الخصوم، وما تحققه من إرواء لشغف الجمهور، بما تنطوي عليه من إماطة لثامٍ عن “الأسرار”، ومتعة النميمة، والتشفي بالتفرج على الآخرين “المتفوقين” وهم ممددون على مشرحة الفن..!!

ولقد قدر لي أن أشهد أكبر عملية “شخصنة” درامية.. وأخطر “مقلب” تاريخي، وأهم معركة خاسرة في الإنتاج الدرامي السوري.. فقد قررت السلطة الإعلامية أن تبحر بعيداً إلى الوراء في التاريخ لتقدم صورة درامية عن أبرز مملكة حضارية قامت في سورية، في القرنين 14 و15 قبل الميلاد.. إنها مملكة أوغاريت التي قدمت للإنسانية أول أبجدية في التاريخ..!! واكتملت الاستعدادات لإنتاج هذا المسلسل الذي كتبه مروان صقر بعنوان “نداء المتوسط” وحظي بأكبر دعم سياسي ومالي ممكن.. ورصدت له ميزانية استطاعت أن تبني مدينة “أوغاريت” التاريخية بأسوارها، وقلاعها، ومعابدها.. وقصورها.. وحتى تماثيلها الضخمة، على كتف بحر اللاذقية.. وبدأ تصويره بحماس منقطع النظير..!!

وأخذت ألسنة الناس تلهج في التحدث بنعمة “التاريخ”، وتلهث في بيان “عظمة” الحاضر الذي يستلهمه.. وكبرت الآمال بنيل رضا السلطة السياسية.. ذلك الرضا الفائق الذي سوف يرفل به كل من كانت له يد أو أصبع في تجسيد هذه الملحمة الفريدة..!! لكن كل ما سبق لم يستطع الصمود أمام عملية “شخصنة” متقنة، أطلقها لسان خبير في النميمة، ماهر في التصويب على الأهداف القريبة والبعيدة، عارف بالأوتار الحساسة للأنظمة الشمولية، وما تشكو منه من ضيق أفق.. وضيق نفس.. وإيثار للسلامة الآنية المحدودة.. على السلام الدائم المستند على أسس راسخة..!! لقد بدأ ذلك اللسان الخبيث “شخصنته” تلك بكلمات بسيطة.. لكن النار الكبرى غالباً ما تشب من “مستصغر الشرر” كما يقول شاعرنا العربي القديم.. كانت تلك الكلمات البسيطة، تشكك في صحة المواقف السياسية التي اتخذتها تلك المملكة من الصراع الدائر بين الممالك المجاورة..

وحين كثر اللغط وتاهت العقول.. قذف صاحب تلك الإشاعة بأكبر قطعة من الحطب إلى تلك النار.. إذ أمسك بمفاصل الحكاية، وحركة أبطالها، وراح يسقط ظلالهم جميعاً على أرض السياسة الواقعية، ومضى يطوف بهم حول الباب العالي نفسه، وما خلف هذا الباب من دهاليز وصراعات وقلاقل.. متسائلاً بنبرة اتهامية واضحة: من هو هذا البطل الشعبي “الأوغاريتي” الذي نال إعجاب ابنة الملك.. وتزوجها؟! وكبر في عين الرعية، إلى حد باتت تأمل فيه أن يتولى زمام الأمور في المملكة؟!! واستعذب الجمهور هذا الإشاعة لأسباب كثيرة.. فمنذا يستطيع الصمود لإغراء النميمة؟!! ومنذا لا يستسلم لشهوة التشفي برؤية كل من يضيق بهم، وهم يتهاوون في بئر المحنة تباعاً؟!! وأسقط في يد أصحاب المشروع من السياسيين والإعلاميين والفنانين المشاركين فيه..!!

وتناثرت جهودهم – الرامية إلى لملمة أطراف “المصيبة” – بين محاولات متعثرة لتخليص النص من بعض ما رآه صاحب الإشاعة انطباقاً تاماً للحافر على الحافر من جهة..!! وحشود هزيلة للدفاع عن أهمية تلك المملكة، ومرحلتها التاريخية من جهة أخرى..!! وسقط القرار الأخير على رؤوس الجميع كالمقصلة: الإيقاف الفوري للعمل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر..!! غير أن الفجر لم يطلع ثانية على مملكة “أوغاريت” التي بنيت حديثاً “للتصوير”، وبقيت أطلالها خاوية على عروشها، مثل مدينة النحاس في ألف ليلة وليلة..!! فلقد كانت ضحية اللعنة التي جعلت الفنان     زويكسيس” يتقن رسم عنقود العنب.. ويفشل في رسم الرجل الفزاعة الذي يخيف العصافير..!! ثم إننا لن نجد خارج الأسطورة من يموت من البكاء والندم..!!  

 

مقالات ذات صلة