نريد عملا لا “شوفينية”!
واضحٌ أن ردود الفعل الغاضبة على تصريحات حاكم الشارقة تعدت إطارها الموضوعي وتحولت إلى”شوفينية” مبالغ فيها إلى درجة أن البعض سقط في الشّتم والإساءة للإماراتيين بشكل عام، مع أن ما صدر عن الرّجل خطأ عابر لم يتعمَّد صاحبُه الإساءة إلى تاريخ الجزائر أو التّقليل من تضحيات الشعب الجزائري في مجابهة الاستعمار.
وليس من الحكمة السُّكوت عن هذا الخطأ الذي صدر عن مسؤولٍ عربي معروف بحبِّه للثقافة والإطلاع، بل وجب الردّ والتأنيب للأشقاء عندما يقعون في مثل هذه المطبّات، لكن أن يتطوَّر ذلك إلى “شوفينية” وإساءات غير مبرَّرة إلى درجة وصف صاحب التّصريحات بـ”جاهل الشارقة”، وغيرها من الأوصاف والشّتائم والإهانات!
السّياق الذي تكلم فيه حاكم الشارقة لم يكن تاريخيا ولم يكن الموضوع هو الثورة الجزائرية، وإنما كان يتكلم عن دور رجال الثقافة في توجيه رجال السياسة والحروب وتذكيرهم بإنسانيتهم، ولو أن حاكم الشارقة أرفق حديثه بكلمة عن تضحيات الجزائريين للحصول على استقلالهم لما اعتُبِرَ كلامُه خطأ تاريخيا جسيما، يتطلَّب هذا الكمَّ الهائل من الإساءات في الصحف وفي مواقع التواصل الاجتماعي.
وعلينا في هذا المجال أن نُسائِل أنفسنا قبل غيرنا.. ماذا قدَّمنا في مجال كتابة التاريخ؟ هل أوصلنا رسالة الشهداء؟ أم أننا اكتفينا بترديد الشعارات دون أدنى جُهد لتوثيق تضحيات آبائنا وأجدادنا؟
ماذا تفعل سفاراتنا التي تتواجد في كل عواصم العالم وتكلف خزينة الدولة الملايير بالعملة الصعبة؟ هل تحاول أن تقدِّم الجزائر للغير كقيمةٍ حضارية وإنسانية؟ أم يكتفون بالسياحة والتجوال دون تقديم شيء لهذا الوطن؟
في سنة 2010 حضرنا احتفالية نظمتها سفارتنا في العاصمة الأمريكية واشنطن، بمناسبة ذكرى اندلاع الثورة التحريرية، فذُهلنا لبرنامج الاحتفالية الذي لم يكن سوى انتقال الضيوف والمدعوِّين من طاولة إلى أخرى والتمتع بمختلف أصناف المأكولات والمشروبات ثم مغادرة الفندق.. لا شريط وثائقي عن تضحيات الجزائريين، ولا مطويات تعرف بالجزائر وتاريخها، ولا حتى كلمة من دبلوماسي جزائري توضح للمدعوين سبب الاحتفال على الأقل!
نريد عملا مؤثرا يعيد للثورة الجزائرية بريقها عند العرب وغيرهم، لا شتائم وإهانات لكل من خانه لسانُه وقال كلاما غير مضبوط تاريخيا، وعموما فإنّ خطأ حاكم الشارقة قد استدركه وزيرُ الخارجية الإماراتي الذي قال “إن استقلال الجزائر وليد تضحيات الشعب ومقاومته عبر ثورة تاريخية كبرى، والأدوار الإقليمية والدولية جزءٌ مساند من المشهد، وقارئ التاريخ يدرك ذلك”.