الرأي

نظرة إلى المستقبل من خلال “اليوتوب”

محمد سليم قلالة
  • 6380
  • 3

تحوّل شبابُنا إلى التعبير عن آرائهم عبر “اليوتوب” فيما يتعلق بالشأن السياسي والواقع الاجتماعي الذي تعرفه البلاد يحمل في طياته دلالة على طبيعة الانسداد الحاصل في شبكة الاتصال القائمة حاليا، وعلى كافة المستويات ويستلزم إعادة النظر فيها كلية إذا ما أردنا بناء مستقبل متماسك ومَنع حدوث الانكسار في مجال العلاقات الاتصالية المُنذِر بحدوث انكسار في بقية المجالات.

الفعل التعبيري لشبابنا، فيما يتعلق بالواقع الذي تعرفه البلاد في مختلف المجالات، ورد فعل مسؤوليه على مستويات مختلفة، ومحاولات   احتواء أو تجاوز هذا الفعل بطريقة أو بأخرى من قبل وسائل الإعلام الرسمية، يحمل إشارات واضحة على مستقبل العلاقة بين الأجيال في الجزائر، وعلى  التطورات المحتملة لهذه العلاقة في المستقبل إذا لم يتم  تفكيكُها بطريقة موضوعية وإعادة توجيه تدفُّقاتها الإعلامية والرمزية  الوجهة الصحيحة.

ربما لا يُدرك الكثير من السياسيين تخلف خطابهم السياسي عن العصر، وكيف أنه منذ أكثر من عقد من الزمن لم يتكيف هذا الخطاب مع البُعد الحقيقي للتطور الحاصل في تكنولوجيات الإعلام والاتصال، وأيّ أثر تركه ذلك على الممارسة السياسية، وعلى طبيعة الحكم والدولة ذاتها، بل لعلي أجزم أن التصورات التي مازالت قائمة إلى اليوم حول ما ينبغي أن يكون عليه الخطابُ الإعلامي، إنما هي تصوُّراتٌ مرتبِطة بمرحلة ما قبل “الأنترنت” وما قبل “الفاسبوك” وما قبل “اليوتوب”.. نفس الأساليب المعتَمَدة قبل تسعينيات القرن الماضي، عندما لم يولد هذا الجيل بعد، هي التي مازالت مُستعمَلة إلى اليوم وبنفس اللغة تقريبا، مُعتَمِدة على ذات الحُجج والمفاهيم والمصطلحات، وكأن شيئا لم يتغير في العالم، أو أن لا أثرَ لهذه التكنولوجيا على التماسك الاجتماعي والتركيبة السياسية وخاصّة على الخطاب السياسي الذي يُفتَرض أن يُعبِّر عن هذا الواقع الجديد…

إن الذي يحدث اليوم، من الخطأ تماما النظر إليه، على أساس أنه “نشوزٌ” إعلامي، أو خروج عن ضوابطه، أو هو من فعل تدبير أجنبي أو من صنع “اليد الخارجية” كما هي الكارثة عادة عند محاولة الرد على مثل هذه التطورات، بل ينبغي اعتباره تطورا طبيعيا وأكثر من معتدل وعقلاني.

هذا التجاهل للتطور الحاصل في العالم، ولانعكاسه على طبيعة العلاقة في المجتمع، سواء أكانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو حتى عاطفية، هو الذي أدى إلى بروز أشكال من التعبير مختلفة تماما عن تلك التي اعتادت وسائل الإعلام التقليدية بثها، سواء من حيث اللغة أو الأسلوب أو الإخراج أو وسيلة البث… وهو بروزٌ تلقائي طبيعي، لا يصحّ أن نُوهِم أنفسنا بأنه من فعل فاعل أو بتخطيط قوى خارجية تريد بالبلاد شرا، إنه تعبيرٌ ناتج عن تفاعل تلقائي مع الواقع والوسيلة المتوفرة اليوم للتعبير عن هذا الواقع، تَمَكَن بعفوية تامة من استخدام كافة الإبداع “المقموع”، من قبل شبكة الاتصال القائمة، وإخراجه في شكل صور تعبيرية لا يمكن للناس سوى قَبولها.

وهو ما حدث وسيحدث في المستقبل إذا لم يتم تصحيح هذا الانكسار في العلاقة بين القوى المُبدِعة الحقيقية وما تحمل من رسائل في مختلف المجالات، والقوى الرافضة للنظر إلى التطور الطبيعي الحاصل في الواقع والمُصِرّة على بقائه يسير بنمط متحجِّر عفا عنه الزمن، يتمثل في مواصلة استغلال وسائل الإعلام الثقيلة العمومية في خدمة ما يُعتَقد خطأ أنه الخطابُ الأفضل لتحقيق التماسك الاجتماعي وربط اللحمة بين مختلف مكوِّنات المجتمع، ناهيك عن جلب التأييد الشعبي المطلوب للقائمين على الشأن العام في أي مستوى كانوا.

بمعنى آخر أن الذي يحدث اليوم، من الخطأ تماما النظر إليه، على أساس أنه “نشوزٌ” إعلامي، أو خروج عن  ضوابطه، أو هو من فعل تدبير أجنبي أو من صنع “اليد الخارجية” كما هي الكارثة عادة عند محاولة الرد على مثل هذه التطورات، بل ينبغي اعتباره تطورا طبيعيا وأكثر من معتدل وعقلاني، بالنظر إلى ضعف ميكانيزمات التكيف مع  الحقائق السائدة في المجتمع، سواء بالنسبة لوسائل الإعلام القائمة أو الخطاب السياسي السائد، أو البدائل المطروحة على الأجيال الجديدة  في مجال  حرية التعبير أو ممارسة الحكم أو تسيير الشأن العام أو حل المشكلات المختلفة التي يعيشونها…

أي أنه علينا، بدل أن نعتبر ما يحدث من تعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ممارساتٍ خاطئة أو غير واعية أو غير مُدركة لمصلحة الوطن، علينا أن نراه عكس ذلك تماما، أي دليلا على خطأ في السياسة الإعلامية القائمة وليس في ما يتم عرضه من قبل شباب يتطلع إلى التعبير عن الحقائق التي يعيشها بالوسائل البسيطة التي يملك، سواء أكانت فيديوهات ساخرة أو تعاليق مكتوبة أو كتابات أو أغاني سياسية أو اجتماعية)، ذلك أنه لا مجال للمقارنة بين الوسائل الضخمة التي يملكها القطاع العام، وما يملكه شباب من وسائل تم الحصول عليها في الغالب عبر جهودٍ فردية مضنية.

ولنعرف الفرق الشاسع بينهما ونُدرِك مَكْمن الخلل والفرق في القدرة على التأثير عندما تكون الرسالة قوية على حساب الوسيلة، علينا أن نتخيل للحظة لو أنه تم تسخير جميع الإمكانيات السمعية البصرية والميزانيات الضخمة التي يحتكرها القطاع العام في يد هذا الجيل الجديد المبدِع في مجال التعبير عن مشكلاته والقادر على تجنيد الناس من حوله؟

ما الذي سيحدث لو تم ذلك بالفعل؟ بدون شك سنعرف سياسات إعلامية جديدة وسنتمكّن من تسخير التكنولوجيات المتقدمة لصالح الانطلاق نحو أفق أرحب، وسنقوم بما ينبغي أن نقوم به، أي تمكين الجيل الجديد من  أخذ زمام المبادرة بنفسه لمواجهة التحديات الجديدة التي ستعرفها بلاده، بدل أن يكون هو عرضة إلى التهميش أو التخوين وهو يواجه هذه التحديات.

ولعل هذا ما ينبغي أن نعتمده في المستقبل إذا أردنا أن نثق في قدرات شبابنا الإبداعية، وأن لا نشك لحظة في حب أبنائنا لوطنهم، وفي حَملهم لهمِّه المستقبلي كما فعل ذلك آباؤهم وأجدادهم من قبل.

إن مشكلتنا تكمن في هذا المستوى، إما أن نعتقد أن هناك جيلا يحتكر الوطنية وحب الوطن، وهو وحده الذي يملك مفهوما صحيحا للمصلحة الوطنية، مع كل الأخطاء التي ارتكبها وعشنا تبعاتها ولا نزال، أو علينا أن نقرأ الواقع قراءة صحيحة، بأن الحقائق تبدلت، وأنه لم يعد هناك مجالٌ لفهم التبدُّلات الحاصلة فيه إلا من خلال الأجيال الجديدة، بل هي وحدها القادرة اليوم على إدراك ذلك وعلى تصحيحه أو التكيُّف معه.. وهذا ينقلنا بالضرورة إلى المستوى السياسي الذي أصبح يفرض علينا القول بضرورة نقل سلطة القرار الحقيقية وسلطة رسم السياسات الجديدة، إن في قطاع الإعلام أو غيره إلى الأجيال الجديدة، ولا خوف علينا من ذلك، بل العكس هو الصحيح: إن إبقاء الوضع على ما هو عليه الآن، بدل أن يُحدِث الانتقال الهادئ كما يتصور البعض، سيدفع بمحاولات الانتقال الجانبية أو التلقائية إلى التحريف التدريجي، القادر على دفعها إلى الانحراف أو إلى التطرُّف في التعبير إلى درجة الثورة على الوضع القائم.

لذا فإنه علينا أن نُسارع اليوم، وقبل فوات الأوان، إلى إدراك هذا التحول، والتقاط إشاراته الإيجابية التي هي عنوان مستقبلنا الذي يصرُّ البعض على عدم رؤيته أو يعملون كل ما في وسعهم لمنع الناس من رؤيته، معتقدين أن ذلك ممكن في عصر لم يعد من الممكن فيه إخفاء أي شيء.. و”اليوتيوب” موجود.

مقالات ذات صلة