نعم انتخب الجزائريون الرئيس ولكن..!
إن اللغة الوحيدة التي يجب أن نخاطب بها بعضنا بعضا، ينبغي أن تكون مشرقة بالوضوح والصراحة، فقد أعدم ستالين وهو دكتاتور عصره من يجامله، دون أن يقول له الحقيقة بوضوح. لذا، وجب علينا أن نقول الكلام واضحا لأنفسنا ولغيرنا، دون مبالغة أو إسفاف، والتاريخ سيحكم لنا أو علينا بقدر تجردنا من الخوف والتزلف، وتحلينا بالحقيقة التي هي المعيار الوحيد الذي يكشفه الزمن بكل وضوح.
قبل أن نقول ما ينبغي أن يُقال، أود أن يعلم الموالون والمعارضون أن الجزائريين انتخبوا الرئيس عبد المجيد تبون في 2019، لسبب واضح وجلي، وهو أنه أول من قام بحراك سلطوي فخم وجنوني وكبير، ضد عصبة مالية وسياسية متنفذة وخطيرة، أزاحته عن المنصب وفرضت عليه الإبعاد السياسي والإقامة الجبرية الضمنية، وكان قادرا وهو في المنصب أن يخضع ويُداري ويهادن ويفضل مستقبله الشخصي على مستقبل الشعب والبلاد، ولكنه اختار الشرف والتاريخ. وهنا، وجب أن نعترف بأن معادن الرجال من هذه الشاكلة نادرة، فمن يخاطر بحياته ومنصبه مع مجموعة من المفترسين والفاسدين النافذين !
لقد انتخبوه لأنه وقف ضد منهج الفساد والتلاعب بالبلاد، ولأن الرجل شجاع، وطني ومخلص حاول الملفقون أن يجدوا له ملفا واحد فما وجدوا، فحولوا النهج للتلفيق في قضية ابنه، وهو ما شرحه سلال خلال محاكمته، وعملوا على تشويهه خلال زيارته لفرنسا ولقائه الوزير الأول الفرنسي آنذاك، فما نجحوا بعدما طلبوا تلفيق تقرير ضده فرفض المخلصون أن يكونوا شهود زور.
وقد زكوه مجددا في 2024 ودافعوا عنه في حملته ثم انتخبوه، لعدة أسباب يطول شرحها، لكن ينبغي أن نقول اليوم إنه ينبغي أن يعيد الرئيس بناء صورة أخرى لفترة حكمه، صورة قوية غير متزعزعة، بحكومة كفاءات مستقرة ومخطط عمل واضح وفعال، وبتفكيك ما بقي من عصابات الإدارة والفساد الأدنى في الهيئات العمومية التي تعرقل الأداء الحكومي، وبإعادة الحياة للنشاط السياسي الحقيقي وتفكيك المشهد الموروث عن الأزمات، واستبعاد المتزلفين والمهرجين من واجهة الصورة، وقد مل الشعب لغتهم العبثية وخطاباتهم الخشبية، وأن يضع نصب عينيه الشباب، فالموضوع معقد ومعقد جدا، ويجب أن تعيد الدولة علاقة الثقة والإيمان معهم ببلادهم ومصالحها الاستراتيجية، من خلال ميكانيزمات أخرى تنبع من عصف ذهني وحوار مجتمعي ونقاش كبير ينتهي بسياسة طويلة الأمد، لإعادة هذه الثروة الضخمة لعجلة مستقبل البلاد، بسياسات اقتصادية واجتماعية تحفظ لهم مستقبلهم وكرامتهم.
لقد مل الشعب لغة “المداحات” وأغاني الوطنية الخطابية وديماغوجية الحلول الترقيعية، وهنا وجب أن نعيد قراءة اتجاه البوصلة في الاقتصاد، فنحن بحاجة لانفتاح يبدأ من منح الفيزا ويصل لإصلاح مناخ الأعمال بشكل محكم، من الضرائب والإدارة والمنظومة المالية، ويجب أن تُرى النتائج على الأرض وبالسرعة القصوى.
وعلى الرئيس الذي زار روسيا والصين أن ينظر بعمق للنموذج الصيني وسياسة “الإصلاح والانفتاح” والأقطاب الاقتصادية التي أسسها الرجل الذي عارض الزعيم المؤسس “ماوتسي تونج” فما قامت به الصين من إصلاحات في عهد “دينج شياو بينج” تحتاجه الجزائر اليوم بقوة، وهو المتأثر والمستلهم آنذاك من النموذج الصغير جدا لسنغافورة التي صنعت على عيني قائد نهضتها – “لي كوان يو”.
وعلينا أن نتعلم كذلك من الدرس الفيتنامي معالجة البنيوية الكلية للعلاقات الدولية والواقعية البراغماتية التي أسس لها “نيجوين فان لين” في سياسته الخاصة “دي-موي”، أي التجديد والانفتاح، التي أخرجت البلاد من العبثية والتقوقع إلى النهضة والإصلاح. إن هذه البلدان الصديقة جدير بنا أن نتعلم منها كيف ينبغي أن نسابق الزمن لننهض ببلادنا ونغير اتجاه المسار نحو الصعود والتقدم.
إن الرئيس يعلم جيدا، أنه يجب أن يقدم عام 2029 كشف الحساب لالتزاماته، ولا يكفي أن يثني هو أو محبوه على ما أنجز، بل إن النتائج والنتائج وحدها ما سيتحدث وسيمحص التاريخ كل شيء دون أي مجاملة أو انحياز. لذا، فإني أدعو إلى تفكير عميق وعصف ذهني فاحص وإسناد المسؤوليات لنخب قادرة على تقديم الأفضل للبلاد، دون مجاملة أو محاصصة، لأن مصير البلاد والشعب يقع كله بين أيدي الذين يتقلدون القطاعات الاستراتيجية والحيوية، ولا يكفي اليوم أن نبرر أي اختلال أو عجز بإكراهات الداخل أو الخارج، بل ينبغي العمل بكاسحات العجز والتبرير لتحقيق منجزات حقيقية واستراتيجية، وتأمين مستقبل البلاد وواقعها ومكتسباتها التي هي حصيلة تضحيات جسام، لا يمكن البتة التعامل معها بالوتيرة العادية.
إن الرئيس الذي لطالما استدعى الروح البومدينية في سياساته مدعو إلى ثورة جديدة في الزراعة والصناعة والتعليم والاقتصاد بآليات أكثر ديناميكية وبروح الحزم والعزم، لأن الجزائر بحاجة إلى عيون وعقول لا تنام لتحقيق استقلالها الاقتصادي، ويجب على الشعب الذي ذاق الاستعمار أن يجاهد كل يوم لتأمين السلاح للسلام والحرب والاقتصاد للسيادة، والتعليم والتكنولوجيا للتفوق.
قبل ذلك، والرئيس سيد العارفين، تقع على الدولة الجزائرية مسؤولية إنتاج نخب وطنية مخلصة نوفمبرية الروح، قوية الشكيمة متشبعة بقيم الثورة الخالدة ووفية لروح النضال التي قادها جيش التحرير الوطني ووريثه الحارس القوي والعمود الفقري لأمن البلاد، الجيش الوطني الشعبي، نخب واعية، متزنة الخطاب، مقنعة للرأي العام، يمكنها أن تقود “الحلم الجزائري” وتحفظ للبلاد تماسكها وللشعب وحدته وثقته في بلاده، وتضع نصب عينيها السيادة الوطنية، خاصة أمام حجم التضحيات الجسام وأنهار الدماء التي سقى بها الجزائريون بلادنا المقدسة.
إننا ندرك تمام الإدراك، أن الرئيس صادق ومخلص، وهو بحاجة إلى مفكرين وخبراء ومستشارين من الوزن الثقيل، ليعينوه على هذه المسؤولية الضخمة والمهمة الكبرى، التي تجعله اليوم أمام تحد كبير، وهو ترسيخ مكانة البلاد قوية، مستقرة داخليا وإقليميا، وقد حققت أهدافها ولم تفتها أهداف استراتيجية في الداخل والخارج.
ومما لاشك فيه، أن على المعارضة الجادة وليست العبثية، ألا تبقى فقط قوة انتقاد للنظام، بل عليها أن تتحول إلى قوى تفكر في مستقبل البلاد، من خلال مساعدة النظام في تنفيذ السياسات والحلول الممكنة، ولتكن قوة اقتراح ومشاركة للمشاريع الإصلاحية، وسندا للنخب المقتدرة لقيادة سفينة الجزائر والشعب الجزائري لمستقبل مشرق ومستقر.