الجزائر
الجمعة الخامسة عشر في العاصمة

نعم للحوار.. لكن ليس مع الباءات!

الشروق أونلاين
  • 1010
  • 0
تصوير: جعفر سعادة

إصرار على رفع التحدي ومواصلة تفعيل الحراك رغم الحرارة والصيام، حافظ الجزائريون على موعدهم الأسبوعي المصادف لآخر جمعة من الشهر الفضيل، في مظاهرتهم السلمية بشعارات تتنوع وتتغير مع كل جمعة وتحمل أكثر من دلالة، لتبدو في النهاية كأنها أكبر من بيانات وأشبه بمواد دستور، تعبيرا عن الرفض القاطع لبقاء كل من له علاقة مع النظام البوتفليقي ضمن المشهد السياسي في البلاد، وسط صور من الصمود الكبير، أملا في تحقيق الهدف المشترك والمضي نحو “جزائر جديدة”.

31 ماي، هي الجمعة الـ15 تواليا من عمر الحراك الشعبي، الذي زعزع أركان النظام، فمنع العهدة الخامسة، وأجبر بوتفليقة على الاستقالة بعد 20 سنة من الحكم، وجرجر رؤوس العصابة إلى سجني البليدة والحراش وأسقط الامتياز القضائي عن وزراء ومسؤولين ليقعوا تحت طائلة متابعتهم وفقا لـ”ظروف التشديد”، ومع ذلك يواصل الجزائريون مسيرتهم من أجل تجسيد التغيير المأمول، تحت شعار “نعم للحوار، لكن ليس مع العصابات المدنية”.

دقيقة صمت على روح فخار وعائلة شهيد الحراك تصنع الحدث

مثل الجمعات السابقة، شهدت مداخل الجزائر العاصمة، عبر الطرق السيارة ازدحاما كبيرا، من جميع النواحي بسبب الحواجز الأمنية الكثيرة على مستواها، وهذا منذ ليلة الأربعاء، ثم الخميس إلى الجمعة، الأمر الذي منع الكثير من المواطنين من الالتحاق بالحراك الشعبي بالعاصمة، وتسبب في عودة المئات منهم إلى الولايات المجاورة وحتى ولايات بعيدة.
ولم يثن تعب الصوم، الحراكيين بينهم كبار السن عن تلبية نداء التظاهر السلمي ولا كفت حناجرهم عن ترديد الشعارات المطالبة بالتغيير الجذري للنظام السياسي وعدم الالتفاف على مطالب الحراك، حيث عبروا عن استيائهم من نظام أصم أبكم يسعى بكل الوسائل لتجديد جلدته عوض الرحيل وتقديم خدمة للشعب الذي صاح مرة أخرى “يونامار دو سو سيستام”، “سيستام ديقاج”، “ديقاج ديقاج حكومة البريكولاج”، “صامدون.. مواصلون” مع تغير لهجة المحتجين بالمناداة بمقاطعة الانتخابات ومقاطعة كل من يدعو إليها، مع التركيز على المبادرات السياسية للخروج من الأزمة وضرورة الدفاع عن الحريات وغيرها.
وشهدت الفترة الصباحية من مسيرة الجمعة الخامسة العشر، توافدا كبيرا للمتظاهرين القادمين من ولاية غرداية، الذين وقفوا دقيقة صمت بساحة البريد المركزي ترحما على روح الراحل كمال الدين فخار، ليرددوا بصوت واحد هتاف “أسد شجاع أبى الانكسار”، داعين إلى محاسبة جميع الأطراف المتورطة في قضية كمال الدين.
كما حضر ابن فقيد الحراك “نبيل أسفيران” الذي توفى خلال مسيرة الجمعة الماضية إثر تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة، خلال مظاهرات الجمعة بالعاصمة، رفقة أخته الصغرى وعدد من أفراد عائلته وجيرانه وأصدقائه، حاملين لافتات تدعو إلى الصمود واللارجوع من أجل الوصول إلى المبتغى.

الموت والجوع.. ولا رجوع

وإلى ذلك، تدفق المتظاهرون عقب صلاة الجمعة في سيناريو مشابه لما جرت عليه العادة في الأسابيع الفارطة، حيث عرفت شوارع الجزائر الوسطى، في حدود الساعة الواحدة و45 دقيقة، اكتظاظا عن آخرها، شمالا وجنوبا، غربا وشرقا، قادمين من ساحات أول ماي، موريس أودان، ساحة الشهداء، عين البنيان، القصبة… وغيرها من بلديات العاصمة، بالإضافة إلى القادمين من الولايات المجاورة كالعادة على غرار، بومرداس والبويرة وتيزي وزو وبجاية والبليدة… حيث رفعوا الرايات الوطنية ورددوا الشعارات المعهودة الرافضة والمنددة لرموز النظام مثل، “الشعب يريد تغيير النظام”، و”البلاد بلادنا ونديرو راينا”، و”الشعب يريد محاسبة العصابة”، و”كليتو البلاد يا السراقين”.
فيما طفت شعارات جديدة إلى السطح في جمعة الـ15 من عمر الحراك على غرار “الموت والجوع ولا رجوع”، “مانحبسوش لا في رمضان ولا في العيد حتى نرموكم بعيد وهذا الشيء سور أكيد”، كما كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة أيضا من خلال رفع عدد من المتظاهرين يافطات كبيرة كتب عليها “ندعو إلى حراك عالمي ضد الصهيونية”.
وفي الطريق المؤدي إلى ساحة البريد المركزي، رفع متظاهر يافطة كبيرة كتب عليها “رسالة إلى الجيش.. المشكلة ليس في رحيل الكادر والعصابة والشرذمة والحيزبون، المشكلة في بقاء رموز الفساد، الأرندي، الأفلان، تاج، الأمبيا”، في حين وجه آخرون رسالة جاء فيها: “الخطر ليس في الفراغ الدستوري، الخطر في فراغ الخزينة المنتظر ابتداء من 2020 والحل في فترة انتقالية”.

فلسطين بقوة.. وشعارات ساخرة وتهكمية

حملت مسرة جمعة أمس، شعارات أخرى ساخرة وتهكمية، بمعنى أن الشعب لم يبق له من الوقت ليضيعه، حيث جاء في شعار ساخر “معدناش الوقت باش نتفرجو مسلسل أولاد الحلال..”، فيما لفت أحد المتظاهرين الذي تسلق شجرة بالقرب من ساحة البريد المركزي انتباه الجميع، وحمل لافتتة كتب عليها “معذرة لغيابي الجمعة الماضية لاعتقالي من طرف قوات الشرطة”.
وكالعادة، كانت المحاكمة الشعبية لرموز الفساد حاضرة على طول الشارع الرابط بين ساحة موريس أودان، مرورا بالجامعة المركزية وصولا إلى البريد المركزي، حيث رفع المتظاهرين شعارات “الشعب يريد البث المباشر لمحاكمتهم”، “الشعب متوحد ضد العصابات”، “نريد التحرر لا نريد تحسين ظروف العبودية”، “ترحلو قاع”، كما جدد المشاركون في المسيرة رفضهم تنظيم انتخابات يشرف عليها رموز النظام، أين هتفوا بشعاراتهم المعهودة ونادوا برحيل الباءات مرددين “لا بدوي لا بن صالح رأي الشعب هو الصالح”.
كما طالب المتظاهرون أن يطال العقاب الفاسدين في الولايات، متسائلين في بعض الشعارات “أين محاكمة ذيول العصابة في كل ولاية”، كما هتفوا بالجزائر الجزائر الجديدة الحرة بعيدا عن كل محاولات الالتفاف “حريات.. حريات.. لا نريد أجندات”، معبرين من خلال الصور المرفوعة عن دعمهم لمبادرة أحمد طالب الإبراهيمي في حل الأزمة.

نعم للحوار.. نريد رئيسا شابا

وفي مسيرة الـ31 ماي، عاد الجزائريون إلى المطالبة بتفعيل نص المادتين 7 و8 من الدستور اللتان تنصان على أن: “الشعب الجزائري مصدر كل السلطات، وأن السلطة التأسيسية ملك الشعب”، وكتب أحد المواطنين: “نطالب بتطبيق المادة 7 و8، نريد رئيسا شابا… ارحلوا”.
وحمل المتظاهرون صورا لشخصيات يريدون منها أن تقود المرحلة، يتقدمها وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي، ورئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور، وأسماء أخرى، يعتقد الشارع أنها قادرة على تسوية الأزمة التي تعيشها البلاد، فيما ثمن آخرون توجه الجيش بخصوص اللجوء إلى الحوار كحل من خروج الأزمة في أسرع وقت ممكن، حيث عبر عدد منهم بالقول “نعم للحوار لكن ليس مع العصابات المدنية”.

(تصوير: جعفر سعادة)

مقالات ذات صلة