نغرف من نفط وننحت من صخر؟
كل مرة كانت تأتي سحابة صيف عابرة لتعري المكشوف! أزمة زيادة قليلة في مياه الأمطار تربك الدولة برمتها! تجرف الوديان والسكان الذين لم يجدوا أين يسكنون بفعل أزمة السكن التي تناستها الدولة “الوطنية جدا”، فبنى الناس أبنية فوضوية في مجاري الأنهر الجافة، والتي ما إن تقلب المناخ على المستوى الكوني حتى صار المطر ينهمر في الصيف أكثر منه في الشتاء، و”تعود المياه إلى مجاريها”، فتأخذ في طريقها كل من جاءها في الطريق! صارت الأمطار مخيفة ومرعبة للسكان وللسلطات أكثر من رعب الإرهاب الذي صنعته “عمايل” السياسة المفلسة في البلاد منذ الاستقلال. ثم يأتي النفط اليوم، لتجعل الجميع، ساسة وشعبا ونخبا يتحدثون عن أزمة في الآفاق ومسألة التقشف وشد الأحزمة!. قبل هذا، كنا نبدّد الأموال العمومية ونحلب البقرة حتى تدمى أضراعها ويسيل الدم ونضرب البقرة حتى لا تخور أو تتمنع! ملايير الأموال المنحدرة من ريع النفط ذهبت للريح وللجيوب وللمشاريع الوهمية ولشراء الذمم وألسنة الشعب المتحفز للخروج للشارع وحرق الجثث بالبنزين الرخيص! ثم نبكي على أطلال انهيار سعر الحليب الأسود لأننا نخشى أن لا نجد ما نرضع! ونحن دولة وشعب رضيع! لا يأكل ولا يشرب إلا ثدي الأم الحنون سوناطراك! أو لم يكف أن كان الجنوب أول المتضررين من سياسة العصابة التي كانت تخدم المصالح الفرنسية بالوكالة حتى في فصل الشمال عن الجنوب؟ الجنوب البعيد كل البعد عن رفاهية الشمال، والذي لا رفاهية فيه غير ما يبدو للعيان! فالناس في شمال البلاد أكثر غبنا وتعاسة من الجنوب! والدليل هذه المظاهر من الأحزمة السكانية والبناءات العشوائية وحتى العمارات الهشة الآئلة إلى السقوط التي تحدث هلعا عن كل هزة أو وخزة!.. سكان الشمال أتعس من سكان الجنوب، ومع ذلك سكان الجنوب يشعرون بمرارة مزدوجة: النفط يخرج من تحت الأقدام، وهم يرونه يتسرب من تحت أرجلهم ليذهب إلى أوروبا وفرنسا بالاخص بالمجان تقريبا، ليستفيد منه خاصة الخاصة من سكان منطقة الشمال! وتأتي فكرة ألعن من أختها، وهي استخرج الغاز الصخري ليزيد في “الطين بلة”! لم يكف النفط، فزادوا حتى الصخر؟ هكذا يفكر الجنوبي المتفجر غضبا وحنقا!
حكوماتنا الميتة والحية الميتة، قد كشفت عيوبها قبل اليوم، واليوم فقط يأتي النفط ليعري الجسد وينزع عنها سوأتها، ولا أعتقد أنه بمقدورها بعد اليوم أن تستر العورة بورق الشجرة! مهما لبست من حلل.. ومهما حل منهم وارتحل..! وعلى الرئيس أن يفكر قبل أن يفكر.! نهاية المطاف قد يكون أسوأ من البداية! فقد أسعف الحظ نظام العصابة منذ 20 سنة أن ارتفع سعر النفط إلى رقم قياسي لم يعرفه من قبل، لكن الرهان على النفط كمن يراهن على حصان أعرج: اليوم لم وغذ عليك. وهذا ما أشرت إليه في مقال للشروق سنة 2015، لما كتبت قائلا:”…. ولكن، يخشى أن يخرج الرئيس من الرئاسة ومن الدنيا بخف حنين، ليحمل أوزاره كاملة وأوزار وزرائه.. ويكون أول رئيس يدخل التاريخ من حيث يكون أكبر رئيس أدخل البلاد في أكبر نفق..ورحل عبر النفق المظلم بدون أدنى بصيص أمل.. كما كان يقول الراحل عرفات..الذي رحل وبصيص الضوء الذي كان يراه في نهاية النفق.. قد زال وارتحل قبل حتى أن يرحل!”.