نكباتنا صفحاتٌ من التاريخ.. ومستقبلنا فجر انتصار
إن أخطر أسلحة العدو هي تلك التي تتحرك بأيدي داخل الأمة، ولعل أشدها ضراوة تلك المتعلقة بالروح المعنوية، وهنا نقترب من تحديد المسؤولية؛ إنها تتعلق بالنخبة المثقفة والمفكِّرة في المجتمع، هم رواد صنع الرأي العام من كتاب وصحفيين وفنانين وأدباء وشعراء.. هؤلاء هم الحلقة الأخطر في جبهة الأمة وعليهم تقع المسؤولية الكبرى في الدفاع عنها وبث روح الانتصار في أوساطها.. ولقد خصص القرآن الكريم كما أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مواقعَ عديدة لذمّ المرجفين في صفوف المسلمين ولنبذ المفسدين لوحدة الصف.
ليس فقط اليقين الروحي – وهو كاف– ما يدفعني للقول إن نكباتنا التي تغطي حياتنا في بلداننا العربية وعالمنا الإسلامي في هذه الفترة من الزمن ليست إلا صفحات من التاريخ سنطويها بلا شك فيما نحن نسير سيرا أكيدا نحو الانتصار الكبير.. إنما هو التحليل لما يتحرك على صعيد جبهة العدو، لمخططاته واستراتيجياته وتطوّر الأحوال السياسية والاجتماعية فيه، وعندما نقول العدو نقصد بوضوح من اتخذ من أمتنا موقف العداء وسلك نحوها سلوك الإجرام والتخريب والتآمر.. وكذلك فإننا مدفوعون إلى تلمّس حقيقة ما يعتمل داخل امتنا وضميرها ووعيها من إحساس بالمهانة والمذلة والقهر، بالإضافة إلى ما تكتنزه من قيم ونماذج بطولة وتاريخ مشرق وجولات كفاح باهرة في أكثر من مكان..
نحن لسنا أمة عادية تجري عليها إرادات أعدائها وتصبح تُبّعا لمن أراد قهرها وإلغاء وجودها الحضاري.. نحن أمة دخلت صياغتها الحضارية الآن خمسة عشر قرنا جرّبت فيها مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بكل عناوينها، وأصبح رصيد الوعي لديها من الغنى بحيث يمثل أعظم مدرسة إنسانية، وظلت طيلة هذه القرون متماسكة ولم يحدث خللٌ في قيمها ولا ضميرها ولا وعيها، ذلك ببساطة لأن كتابها لم تقترب منه يدُ التخريب من قريب أو بعيد، ولم يتم عزل نبيّها عليه الصلاة والسلام عن صفاته الاجتماعية والنضالية بشكل عام، فظلت المعاني الكبيرة ممثلة في أشخاص هي من يشكل لها القدوة المحترمة والمقدسة.
ما حصل في العراق وأفغانستان وقبل ذلك في الجزائر، وما يحصل الآن في فلسطين، يشير بوضوح إلى أننا أدمينا الاستعمار وأننا وجّهنا لقواه ضرباتٍ عنيفة سيكون لها مع الزمن فعلٌ أسطوري في سقوطه من سدة التسيّد على العالم.
لم تتصدّ الأمة لعمليات القهر والإقصاء فقط عندما توفرت لها شروط التصدي، بل هي تتقدم بما يتوفر من عناصر المقاومة، ولكن بكل يقينها في حقها وفي وجوب المقاومة في أقسى الظروف وأشدها إرهاقا، لا تقبل بأقل من حقها، ورغم أن البعض لا يرى في كثير نتائج مقاومات الأمة ما يُهدئ روعه ويسكن قلبه فرحا وهو يرى كيف دخلت جيوش الأمريكان بغداد وقوات الاحتلال البريطاني والصهيوني القدس الشريف، أو كيف حصلت مجازر “قالمة وخراطة وسطيف”، أو كيف حصل ما حصل من مجازر في أكثر من بلد عربي.. إلا أن التحرّر من سطوة اللحظة الراهنة والانعتاق للآفاق ورؤية المشهد على وسعه وعلى امتداده مع الزمن نكتشف أننا صحيح لم نربح الجولة بضربة قاضية ضد العدو، إلا أننا أحدثنا بداخله هزيمة، وفي روحه شرخا، وتسببنا في تصدع أبنيته ونسيجه النفسي والمعنوي والمادي، وذلك كله على طريق هزيمته على حلبة الصراع الحضاري.
ما حصل في العراق وأفغانستان وقبل ذلك في الجزائر، وما يحصل الآن في فلسطين، يشير بوضوح إلى أننا أدمينا الاستعمار وأننا وجّهنا لقواه ضرباتٍ عنيفة سيكون لها مع الزمن فعلٌ أسطوري في سقوطه من سدة التسيّد على العالم.. مقاومة العراقيين للاحتلال الأمريكي، ومقاومة الأفغان للاحتلال الغربي، ومقاومة الجزائريين للاستعمار الفرنسي، ومقاومة الفلسطينيين للاستعمار البريطاني والصهيوني.. أن هذا يعني بوضوح أننا إزاء واقع يؤكد أن المقاومة هي حصن الأمة في مواجهة اعدائها، وان تراكم المقاومة يسجل النقاط نحو انتصار كبير فيما تضرب هذه المقاومات جهازه العصبي..
المتابع لتبدل الاستعماريين في خططهم واضطرابهم في مواقفهم وتورطهم في حروب كان بالإمكان الاستغناء عنها، وهي لم تحل مشكلات بل تضاعف المشكلات على خزائنهم وعلى الجانب المعنوي والاستراتيجي على المدى البعيد إنما تحملهم إلى حافة الهاوية وإلى مستقبل مجنون.. وهذا ما نراه في كلام عقلاء الغربيين والمختصين بالمسائل الاستراتيجية، ولقد أصبح الحديث متكررا عن أخطاء استراتيجية ارتكبتها الإدارات الأمريكية في مواجهة أنظمة وحركات سياسية بناء على تقديرات اقتصادية وأمنية خاطئة..
وفي حمى التنافس على السيطرة على الإدارة في الولايات المتحدة بين اللوبيات، وما تمثل من قوى اقتصادية متنفذة، وما تمثله من قطاعات صناعية نافذة في القرار السياسي، يتم الإمعان في التهريج والأفعال الاستعراضية التي تلحق الأذى الحقيقي بعافية المشروع الاستعماري.. لقد احتشد الجهل مع غرور القوة مع الاستهانة بالآخرين في صناعة القرار الأمريكي والغربي جملة تجاه أمتنا.
لا ينكر عاقلٌ ما نحن فيه من أوضاع، ولكن ليس من العدل أن لا نرى ما يجري في الضفة الأخرى، ليس فقط على صعيد التمزق الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية بين الأعراق والأجناس، ولا بسبب تزايد وتيرة الجريمة وانتشار السلاح الفردي وعمليات التفلّت من القانون.. ليس من العدل أن لا نرى كيف تمارس مافيات المال استهتارها بالمواطن بسوقه إلى حروبٍ لا ناقة له فيها ولا جمل وتغييبه عن الوعي والأسباب الحقيقية لحروب طاحنة أورثت المجتمع المهانة والقلق والأمراض النفسية.. من العدل ان نلاحظ الكساد الاقتصادي العظيم الذي اجتاح عواصم أوربية كثيرة وضرب العقار في الولايات المتحدة والزمها بديون إضافية، الأمر الذي انتهى بالولايات المتحدة إلى أن تنفق من الأموال أكثر من مداخيلها.
من الضروري أن نشير إلى أن الجيش الصهيوني ولى الدبر في حرب جنوب لبنان وعلى تخوم غزة.. وقد تمكنا لأول مرة في الصراع أن نغلق مطار بن غوريون الصهيوني وأن نُلجئ ملايينهم إلى الملاجئ لأسابيع عدة.. هذه إشارات مهمّة يجب أن يطول شرحُها حتى لا نُتهم بأننا نسوّق الأحلام، فالمعركة جدية ونحن فيها مؤثرون تماما ولنا من القدرة المعنوية والأهداف المقدسة والإيمان ما يكفي لاجتياز هذه المرحلة الصعبة والقاسية.. تولانا الله برحمته.