الرأي

نكتب للقارئ وليس للرئيس والوزير والمدير!

حفيظ دراجي
  • 8488
  • 84

من باب الفضول والرغبة في معرفة ردود الفعل على ما أكتب، دأبت أحيانا على قراءة تعاليق القرّاء على كتاباتي في الصحف والمواقع، لجس النبض ومعرفة آراء الناس في ما أكتبه، والاستفادة من كل الردود والأفكار والآراء، فلفَتَ انتباهي تعليق على مقال كتبته في يومية “الشروق” يطلب مني صاحبه الكتابة للرئيس والوزير الأول والوزراء والمسؤولين وليس للجماهير العريضة، لأن التغيير في اعتقاده يأتي من طرفهم وبقرار منهم دون غيرهم، والقضايا السياسية والاجتماعية والرياضية التي أطرحها لا تعني الأسرة الرياضية والفئات الشبانية، بقدر ما تعني المسؤولين المباشرين عن القطاعات لأنهم أصحاب الحل والربط وبيدهم سلطة القرار، وبدونهم لا يمكن الحديث عن التغيير في الجزائر..

 التعليق يبدو منطقيا للوهلة الأولى، لأن سلطة القرار السياسي والإداري بأيدي المسؤولين مثلما يعتقد الكثيرون، ولكن الحراك الاجتماعي الذي تشهده الجزائر والنقاش الدائر في الأوساط السياسية والاعلامية حول مختلف القضايا، وردود فعل أصحاب القرار بطريقة مباشرة وغير مباشرة، أكدت أن قرار فرض التغيير يعود لأبناء هذا الشعب طال الزمن أو قصر، والصحفي عندما يكتب لا يتوجه إلى المسؤول أينما كان وإنما يكتب للقارئ أيا كان – رئيسا ووزيرا ومديرا ومواطنا – ويكتب للتعبير عن آرائه ومواقفه وتحاليله التي يختلف معه فيها البعض ويتفق معه البعض الأخر.

كما أن التغيير في اعتقادي لا يصدر بالضرورة عن الرئيس أو الوزير، لأن الشعب في الجزائر كان دائما مصدر القرار والتغيير عبر التاريخ، وكل شيء صنعته الجماهير منذ ثورة التحرير إلى الاستقلال إلى الثورة الزراعية ثم الصناعية إلى الربيع الأمازيغي وانتفاضة أكتوبر، ثم الانتصار على الإرهاب وصناعة الوئام والمصالحة الوطنية، ومواجهة كل التحديات السياسية والأمنية والطبيعية والاجتماعية والاقتصادية التي مرّت بها الجزائر، إلى غاية الوصول إلى هذا الوعي الكبير الذي يتميز به أبناؤنا من هذا الجيل الذي أكد التزامه مع الوطن في المحن والمآسي، وضد كل من حاول المساس برموزه ومقدساته.. جيل يحب وطنه بطريقته الخاصة، ويعبّر عن عدم رضاه يوميا، ويفرح ويغضب بقوة، ويثور ويهدأ بسرعة ويدرك بأن التغيير سيحدث في الجزائر دون عنف أو تكسير وتدمير.

لا نكتب للرئيس والوزير أو لشخص بعينه، بل نكتب للقارئ  -رئيسا ووزيرا ومديرا ومواطنا عاديا – ونكتب للتاريخ والذاكرة الجماعية، وللجيل الصاعد الذي سيحمل المشعل ويتدارك الأمور ويصححها لا محالة، ونكتب للمستقبل الجميل الذي نطمح إليه كلنا، ونكتب عن الرشوة وفساد الأخلاق حتى نكشفها ونتجنبها، وعن الجهوية والمحسوبية حتى نتجاوزهما، وعن الجمود السياسي والثقافي والتراجع الاقتصادي والتخلف الاجتماعي حتى نستفيق ونستثمر جيدا في قدراتنا، ونكتب عن كل شيء جميل في هذا الوطن حتى ندعمه ونحافظ عليه ونقتدي به..

الرئيس والوزير والمدير سيذهبون مثلما ذهب السابقون، وبقي الشعب بكل فئاته شامخا وصابرا متفائلا، واستمرت الأجيال بآمالها وطموحاتها تتألم وتفرح، وبقي الوطن صامدا رغم كل الهزّات، وسيبقى واقفا رغم تجاوز بعض من أبنائنا للخطوط الحمراء على حسابنا وحساب الوطن بأفعالهم أو بسكوتهم وتخاذلهم وتحالفهم مع قوى الشر..

وفوق كل هذا وذاك أقول لصاحب التعليق بحكم تجربتي المتواضعة في الإدارة، فإن كل المسؤولين في الجزائر يقرؤون ما نكتبه، ولا يباشرون أعمالهم كل صباح قبل الاطلاع على ما يُكتب عنهم وعن قطاعاتهم، ولكن أغلبهم لا يملكون القدرة ولا الجرأة والشجاعة على تحمّل مسؤولياتهم واتخاذ القرار وتغيير ما يجب تغييره.. وعندما نتحدث عن التغيير لا نقصد بالضرورة إعادة النظر في كل شيء، فقد تحققت إنجازات كثيرة في الجزائر التي ما يزال في بعض أهلها الكثير من الحق والخير والصلاح، وإن كان فيها أيضا الكثير من الباطل والشر والظلم، لذلك سنواصل الكتابة للمواطن الجزائري أينما كان، وسنواصل الإصغاء لآراء وتعاليق القرّاء حتى ولو كانت خاطئة وظالمة في بعض الأحيان.

مقالات ذات صلة