الرأي

نكستنا الأخلاقية.. أعراضها وأسبابها

سلطان بركاني
  • 773
  • 0

لعلنا جميعا نشعر مِن حولنا أنّ مجتمعنا المسلم ينحدر في هوة سحيقة من ضياع الدّين والأخلاق، وقلة المروءة وذهاب الحياء والانتكاس عن الفطرة.. أصبحنا وكأنّنا نعيش في غابة، أو كأنّنا عدنا –في كثير من أحوالنا- إلى الجاهلية التي وصفها جعفرُ بنُ أبي طالبٍ للنجاشي –رضي الله عنهما-، فقال: “كُنَّا قومًا أهلَ جاهليَّةٍ؛ نعبدُ الأصنامَ -والأصنام في زماننا هذا لم تعد من حجارة، إنّما من دراهم وشهوات وحظوظ دنيوية-، ونأكلُ المَيتةَ، ونأتي الفواحشَ، ونقطعُ الأرحامَ، ونُسِئُ الجِوارَ، ويأكلُ مِنَّا القويُّ الضَّعيفَ”!
في شوارعنا وأسواقنا، نسمع مِن أحطّ العبارات وأقذر الكلمات، بل نسمع سبّ خالق الأرض والسماوات، من ألسنة شباب ما عادوا يخشون ربًّا ولا يقدرون أبا ولا يستحيون من شيخ كبير ولا امرأة، ولا يرعون حرمة مؤسسة ولا إدارة ولا حتى مسجد! شباب فرضوا منطقهم في كلّ مكان، في الشوارع وفي وسائل النقل وأمام البيوت وبجوار المساجد.. حتى أضحى المرء يستحيي من أن يمشي في الشّارع مع زوجته أو ابنته أو ابنه أو أخيه، بل وأمسى الناس لا يأمنون على بيوتهم ولا على متاجرهم ولا على سياراتهم وأموالهم، ولا على بناتهم وأبنائهم.. حتى من يقضي جلّ وقته في بيته، لا يسلم من الأصوات المنكرة التي تدخل بيته رغما عنه! تلفظها ألسنة شباب لم يجدوا من يردعهم، ولا من يزجرهم ولا حتى من ينهاهم عن تلويث الأسماع بساقط الكلمات، والأبصار بأقذر الحركات، ومقارعة الخمور والمخدّرات جهارا نهارا وبيعها في الأحياء أمام البيوت من دون خوف ولا حياء!
المصيبة أنّ هذه النكسة الأخلاقية التي نعيشها أصبحت مشاعة في مواقع التواصل، فما يحدث في الأحياء الصغيرة –فضلا عن المدن الكبيرة- يُصور وينشر ليراه العالم أجمع.. وأمست مقاطع السرقات والاعتداءات والخصومات ومعارك الأسلحة البيضاء تنشر في المجموعات ويراها الناس جميعا.. مقاطع توثق عبث بعض الشباب بالأرواح في الطرقات، وتصور إصرارهم على الرعونة والمغامرة بحياة النّاس.. ومقاطع أخرى لشباب يتباهون بتعاطي المخدرات ويخاطبون الناس بكل صفاقة ويتوعدون ويهددون، ويسترجلون بحمل السكاكين والسيوف، ويعتدون على الناس جهارا في وضح النهار ويسلبون أموالهم ويهدّدون حياتهم.. ومقاطع لشجارات وخصومات بين شباب الأحياء، وحتى خصومات بين الجيران، ولعلنا جميعا رأينا ذلك المقطع الذي خرجت فيه امرأة لتضرب جارها الرجل الذي ضرب ابنها، فما كان منه هو الآخر إلا أن ضرب ابنها مرة أخرى وضربها هي الأخرى بكل قسوة وأسقطها أرضا، والحمد لله أنّ العقلاء سعوا في الصلح، وإلا تفاقمت الأمور إلى ما لا تحمد عقباه! فما الذي أوصلنا إلى هذه المحنة الأخلاقية؟!

السّبب الأوّل في النكسة الأخلاقية: العدالة الحاضرة الغائبة!

الحقّ أنّ أسباب النكسة الأخلاقية التي نكابدها كثيرة، لعلّ من أهمّها إضاعة الأمانات وما أكثرها، ولكن لعلّ أهمّ أمانة كانت إضاعتها سببا في هذا الذي نراه ونعانيه: إضاعة أمانة العدل!

أهمّ سبب في شيوع الفساد وكثرة الجرائم والسرقات والاعتداءات، هو غياب العدل، حينما تنتشر المحاباة في القضاء، إلا ما رحم الله، وتستباح الرشوة، وتسوّى بع القضايا بالأموال التي تبذل تحت الطاولات وبالمكالمات التي تستقبل من أصحاب الوجاهات! قضايا قتل أو اقتحام للبيوت والمحلات أو قضايا سرقة تتوافر عليها كلّ الأدلّة، يخرج منها الجناة بالبراءة أو تسلط عليهم عقوبات رمزية، ليخرجوا بعدها وقد ازدادوا شرا وإصرارا على تهديد أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، فـ”مَن أمن العقوبة أساء الأدب”.. والسبب أنّ الجناة بذلوا الأموال لمن خانوا أمانة القضاء ونسوا أن القضاء أمانة ثقيلة وحسابها شديد عسير يوم القيامة، يقول الله –تعالى-: ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب))، ويقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو للنار”.
ويلٌ لقاض ائتمن ليحمي أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم ويردّ للضّعيف المظلوم حقّه من القويّ الظّالم، إذ به يخون الأمانة ويكون همّه ملء حسابه البنكيّ، ويصبح تاجرا يعرض الأحكام في المزاد، فمن يدفع أكثر يكون له الحقّ، أو من تكون له واسطة (معريفة) أقوى يكون الحكم لصالحه!
آه لو أحصى هذا الصّنف من القضاة كم من المظلومين سيتعلّقون برقابهم يوم القيامة؟ آه لو علموا أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلم- لعنهم، حين قال: “لعن الراشي والمرتشي”؟! وكيف يفلح من لعنه حبيب الرّحمن وسيّد الخلق؟! آه لو فكّروا في النهاية حين يجرّدون من مناصبهم في آخر أعمارهم فيُلبسهم الله لباس الذلّ والصغار؟! آه لو علموا أنّهم يحشرون يوم القيامة كصغار النّمل تطؤهم أقدام النّاس؟! آه لو علموا أنّ تلك الرشاوى التي أكلوها ستتحوّل يوم القيامة إلى جمر وغسلين وغساق يأكلونه، وحميم يشربونه؟!

بسبب هذا الذي يحصل في القضاء، ضيع كثير ممّن تحمّلوا أمانة حماية أمن النّاس أمانتهم، بل خانوها، حين صار الواحد منهم يقول: “ما عندي ما ندير، نحكمو نديه للعدالة يخرج براءة، ويولي يهددني. أنا ثاني عندي ولاد وعندي دار”.. لا، أيها الأخ الكريم! أنت من اخترت تحمّل هذه الأمانة العظيمة، وأنت مسؤول عن أداء أمانتك، ومسؤول عن القيام على وظيفتك من دون خوف من أحد إلا من الله الذي بيده الأعمار والأرزاق، وإذا ضيّع بعض القضاة الأمانة فهم المسؤولون عن ذلك أمام الله، وأنت أيضا مسؤول عن أمانتك.

السّبب الثّاني: الوساطات!

من أهمّ أسباب هذا الانحراف الذي نراه في واقعنا: السعي في الوساطة والشفاعة لمن لا يستحقها، والتشفع لتخفيف العقوبات وإسقاطها عن المجرمين.. صار كثير من النّاس خاصّة من أصحاب المناصب والوساطات لا يسأل عن المصيبة التي اقترفها من يقدَّم للعدالة، بل يبدأ في نسج الخيوط ليفكّه وينجيه من العقوبة، ويحسب أنّه قدّم خدمة جليلة وأتى عملا صالحا، ولا يدري أنّه ساهم في نشر الفساد وفي تسلّط المجرمين.. روت أمّ المؤمنين عائشة –رضي الله عنـها- أن قريشا أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله -صلى الله عـليه وسلم-؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله -صلى الله عـليه وسلم-، فكلمه أسامة، فقال رسول الله -صلى الله عـليه وسلم-: أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام فخطب، ثم قال: “إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.

ينبغي لنا أن نعلم أنّ الأب إذا رأى ابنه قد أجرم وأخطأ وتعدى على حرمات المسلمين وأموالهم، فلا يجوز له أن يتشفّع له، ولا يجوز له أن يدافع عنه بالباطل.
وحتى المحامي، إذا عرضت عليه قضيةٌ، المعنيّ بها متهم في قضية فيها طرف آخر سواء كان شخصا أم مؤسسة، فإنّه لا يجوز له أن يتأسس للدّفاع حتى يدرس القضية ويغلب على ظنّه أنّ المعنيّ مظلوم حقيقة، وإلا كان له نصيب من شهادة الزّور.

يُتبع بإذن الله…

مقالات ذات صلة