الرأي

“نهاية المجتمعات” أم نهاية دورة حضارية؟

التهامي مجوري
  • 971
  • 0

نهاية المجتمعات: عنوان لكتاب صدر قبل سنوات لعالم الاجتماع الفرنسي “ألان تورين” [1925–2023]، يقرر فيه أن استمرار مفهوم الاجتماعي الإنساني على الصورة التي كان عليها خلال القرون الثلاثة الماضية لم يعد ممكنا، بسبب ما أصاب المجتمعات الغربية من اختلالات على جميع المستويات، في التنظير والسلوك والأنظمة، ومن ثم لا بد من إعادة النظر في كل ذلك.

يعد هذا العمل كما يقول عنه الدارسون من أهم أعمال ألان تورين، باعتباره عملا فكريا تناول المنظومة الفكرية الدولية بالتحليل والتشريح إلى حد الوصول إلى عمق المشكلة المتمثلة في فردية المجتمع الحديث، وتفكيك مؤسساته الجامعة، بحيث لم يعد للأسرة ولا للدول القومية ولا للتنظيمات معنى يذكر في خدمة الإنسان وغاياته الكبرى، فلم يبق للإنسان من وجود وحركة إلا في إطار “نظام التفاهة” كما عبر عن ذلك “ألان دونو” الفيلسوف الكندي الذي لم يخف تذمره من المجتمع الحديث ونظمه الساقطة في الحضيض.

وتتمحور فكرة الكتاب من الناحية النظرية العلمية، حول افتقاد المجتمع الحديث للمعنى الاجتماعي لحركة أفراده، كما هو مقرر في تجربة الإنسان التاريخية، وإنما أضحى أفراده مجرد أفراد يقومون بأدوار تقنية لا علاقة لها بالأبعاد الاجتماعية والإنسانية للفرد والجماعة معا، بحيث أصبح الفرد هو الذي يصنع ذاته ويدافع عنها ويطالب بحقوقه، وكأنه مجرد ممثل في مسرحية بإخراج لا علاقة له بها ولا لها بموضوعه الذي يناضل من أجله… الإنسان في كل ذلك كائن مستهلك لما تنتج المؤسسات العملاقة، التي تصنع له حاجاته وفق ما تريد هي لا ما يريد هو، بما في ذلك استهلاكه للأدوية، فلم يعد يمرض بسبب طوارئ على الجسم، وإنما يمرض لأن المنتجات الغذائية الملعبة تريد له أن يمرض، وشركات الأدوية تختار له المرض الذي ينبغي أن يمرض به؛ لأنها تريد تجريب أدوية معينة والتعريف بها وتسويقها، ولا يحارب من الإنسان من أجل نيل حقوق معينة ضائعة منه، وإنما يحارب لأن عالم الكبار يريد لمنطقة أن تشتعل ولمنطقة أخرى أن تخمد…؛ لأن السلام ليس هو السلام الذي تطح إليه الشعوب الضعيفة التي تريد أن ترتقي، وإنما هو سلام الكبار والحروب لا تشعل من أجل إحقاق حق وإبطال باطل، وإنما هي حروب الكبار؛ لأنهم هم الذين يريدون ولا يحق لأحد أن يريد، بما في ذلك تحديد معاني حقوق الإنسان!! فحقوق الإنسان الأمريكي الذي يسكن واشنطن، ليست كحقوق الإنسان الفلسطيني الذي يسكن غزة!!

إن الفردية الغالبة على منطق المجتمع الحديث الظاهرة، ليست عفوية وإنما هو ناتج عن منظومة فكرية، نفخت في عالم الفرد، بحيث أصبح هو المبدأ وهو الغاية في الظاهر، ولكنه في نفس الوقت، عبد لمؤسسات غاياتها تحقيق مصالح فئات ضاغطة على الجميع، وإذا اقتضى الحال التضحية بأمريكا ولندن وباريس، فليكن كما كانت التضحية بالاتحاد السوفيتي.

وما يسوقه الخطاب الغربي من أشكال لحقوق الإنسان والمرأة والطفل وقيم الفرد في كل شيء، ليست إلا صورة من صور القضاء على مفهوم “الجماعة” الذي عرفته البشرية عبر التاريخ على الأقل -قبل ثلاثة قرون-، رغم أن مفهوم الجماعة هو الذي تعلم منه الإنسان معاني الحياة، عبر الدين والأخلاق والأبعاد التراحمية التي تعرفها الأسرة إلى اليوم في المجتمعات التقليدية.

العالم اليوم يتخبط تخبطا لم يشهد مثله تخبطا من قبل، حتى في أحلك الظلمات التي رآها في عصور الجاهلية في الشرق، والعصور الوسيطة في الغرب، وفي تاريخه الطويل بالمطلق، ولم يشفع لهذا التخبط الارتياح المادي الذي يتمتع به الإنسان اليوم، وامتلاك القوة التي تفني الكرة الأرضية عشرات المرات…، والتحكم في وسائل الترفيه والمتع المختلفة، التي لم يحلم بها من قبل ولا خطرت له على بال.

لقد التقت شهوات العالم مع إمكاناته، التقاء متكافئا، بحيث إذا اشتهت الغرائز فما على العواطف والعقول والأرواح إلا الانقياد لها طوعا وكرها، فلم يعد يوجد من الموانع التي تحرم الإنسان من شيء اشتهاه، بحكم أن مكوناته الخلقية كلها -العاطفة والعقل والروح والغريزة- قد اجتمعت على كل ما تريد التمتع به؛ لأنه عالم غاياته العظمى هي المتعة…، وما وراء ذلك لا قيمة له، وإن تكلم عن فساده وخطورته الحكماء والفلاسفة والبلغاء.

وفي ظلال كل ذلك يعاني إنسان هذا العالم اليوم، من الكثير من الفراغات الكبيرة على مستوى المعرفة والنظم والقيم، ولم يهتد إلى سبيل يخرجه من هذا المأزق رغم أنه يشعر بضرورة ذلك ولكنه لم يستطع؛ لأن صاحب القرار الفعلي في هذا العالم، لا يسمح بتجاوز الإعلام عن المأزق وكفى، وفي أحسن الأحوال يسمح بالإعلان عن العجز عن الوصول إلى الحل، والعلماء مكبون على البحث في الموضوع إلى حين.

في سنة 1988 مع بداية نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي بعد ذلك، أعلن المفكر الأمريكي ياباني الأصل فرنسيس فوكو ياما، عن تفوق التجربة الأمريكية عن جميع التجارب في التاريخ والواقع، بكتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، ليثبت أن الديمقراطية الأمريكية، هي التجربة الأمثل في العالم؛ لأنها التجربة التي اثبتت جدارتها في قيادة البشرية إلى ما يحقق لها ما تريد؛ وذلك فيه من الحقيقة ما لا يستهان به، من حيث أن التجربة الأمريكية بالفعل هي التي استطاعت إقامة نظام يجمع بين الأعراق والثقافات وتنوع العقائد الدينية، على صعيد واحد ضمانا للحقوق وإقامة للواجب، ولكن هذه التجربة الناجحة على المستوى المحلي، لا يوجد من النظم الحالية من هو أظلم منها للشعوب والأنظمة الضعيفة، وكأن عدل النظام الأمريكي بين مواطنيه، كان على حساب الشعوب الأخرى؛ لأن الأمن القومي الأمريكي يمتد إلى حيث المصلحة الأمريكية في الكرة الأرضية…، فلا مانع في منطق الديمقراطية الأمريكية من إشعال حرب أو احتلال شعب، استجابة لمطلب الأمن القومي الأمريكي، ولذلك لما ضربت أمريكا في برجيها في 11 سبتمبر، كان التساؤل المحير عند “فوكو ياما” الذي أصدر كتابا للتبشير بنهاية التاريخ عند التجربة الأمريكية: ألهذا المستوى يكرهنا العالم؟ وهو مفكر لا أظنه يجهل الإجابة، ولكن محاسن النظام قد تضلله فيعتبر الجرائم الأمريكية تجاه الشعوب ضرورة تمليها واجبات الدول العظمى حفظا للتوازن الدولي… ولكن ضربة من مثل ضربات القاعدة هذه هي التي تفرض عليه مراجعة المسلمات التي يشعر بها.

إن أزمة الغرب ليست في الجانب المادي، فهو من هذه الناحية في مستوى من التطور فاق الخيال، ولكن مشكلته في تجاوز الحد في ذلك…، وذلك ما أفقده التوازن الذي تقتضيه الحياة البشرية، فالإنسان يحتاج إلى المتعة، ولكن المتعة ليس لها حد، وإذا لم توضع لها محددات معينة، فإنها تفقد الإنسان المعنى الذي وجد لأجله؛ لأن المتعة وحدها لا تحقق كل شيء؛ بل ربما كانت سببا في الاعتداء على الغير؛ لأن المتعة من الرغبات الغريزية، الباعثة على التشهي، من غير ضابط إلا بتحقيقها، ولذلك كان الرداء المناسب لها في منظومة الغرب، حقوق الإنسان التي تصلح للدفاع عن كل مسار لا يشهد له التاريخ، بالمعقولية والصلاحية والشرعية المطلوبة في كل جهد إنساني.

إن أزمة المجتمعات الحديثة، في منظومتها الفكرية غير المتوازنة، التي غابت فيها الأبعاد الإنسانية الجامعة بسبب ابتعادها عن مقررات التجربة التاريخية التي شهد لها التاريخ بالصلاحية والشرعية، وشهد الله على فضلها وملاءمتها للحركة البشرية… ولذلك كانت فكرة مراجعة كل شيء أنتجته الإنسانية على المستوى المعرفي من الضرورات الملحة اليوم، وكان العالم اليوم يعلن عن نهاية دورة حضارية كما يقول الأخ وضاح خنفر في أنشطته اليوتوبية.

مقالات ذات صلة