نهاية بترول أم نهاية أخلاق؟
ارتفعت أسعار البترول فأفسدت أخلاقنا.. انهارت أسعار البترول فتحركت الأخلاق الفاسدة لتُنهي بلدنالعل هذا ما يُلخِّص حالنا اليوم، وكأننا نَجني ما زرعنا في مجال تحطيم منظومة القيم وكل ما له صلة بالأخلاق في كافة المستويات.
مشكلتنا ليست بالأساس في ما فقدناه من مداخيل ريعية، أو في عجز ميزانية الدولة، إنما في عجزنا عن التعاطي مع هذا الوضع الجديد وفق ما تتطلبه منظومة القيم السامية التي مكَّنتا من استرجاع سيادتنا الوطنية..
مشكلتنا هي في هذا التعاطي مع الوضع الجديد، وفق ما أصبح يُسمى بأخلاق السوق القائمة على المساومة والمناورة والبيع والشراء بعيدا عن كل عودة إلى الذات الحقيقية القائمة على البذل والعطاء والإخلاص والتضحية وخدمة الوطن…
قانون المالية ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، فبعد أشهر أو سنة أو سنتين أو أكثر أو أقل، يمكن أن ترتفع أسعار البترول من جديد، هل تنتهي مشكلاتنا؟ هل سنحقق القفزة النوعية التي نرتقب منذ عقود؟ هل ستعود أخلاقنا؟
لا أتصوّر أن ذلك سيحدُث إذا ما استمرّ مناخ تدهور القيم على هو ما عليه الآن، إذا ما استمر السير بالقيم إلى نهايتها بمعنى زوالها من المجتمع..
إن مناخ تدهور القيم هو الذي يُعطل الاستثمار، وهو الذي يشجع الفساد، وهو الذي يقضي على الكفاءة، وهو الذي يمنع الانتخابات من أن تكون نزيهة، وهو الذي يجعل العدالة تكيل بمكيالين وتوصلنا إلى مشارف الهلاك، كما قال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» {رواه البخاري}.
ومناخ تدهور القيم هو الذي أوصلنا إلى الحال التي نحن عليها الآن من مزايدات، وتنابز بالألقاب، وملاسنات حادة تُذكِّرنا بمقدمات أزمة سابقة عرفناها، ولا نريد العودة إليها…
إننا في هذه المرحلة بالذات لسنا في حاجة إلى تغطية الأزمة بافتعال الصراعات، ولا بالتلويح بكشف الملفات.. كفانا ما نعرف.. إنما في حاجةٍ إلى فرز الناس على أساس ما بقي لديهم من رصيدِ قيمٍ وأخلاق. مَن الأفضل مِن بينهم في مجال نظافة العقل والجيب واليد والسلوك…
لنقِس قيمة الجميع وفق هذه المعايير، ولننتظر من سيُبقيهم غربال القيم في الأعلى…
أولئك هم وحدهم الذين بإمكانهم أن يُصحِّحوا المسار وأن يعيدوا لنا الأمل في أن صعود البترول لن يفسد أخلاقنا مرة أخرى، ونهايته لن تقضي على بلدنا.