-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نوفمبر، رموز ومشاريع

عابد شارف
  • 3856
  • 1
نوفمبر، رموز ومشاريع

رغم اختلافهم السياسي والإيديولوجي، ورغم صراعاتهم المتكررة للاستيلاء على السلطة أو الحفاظ عليها، وسواء كانوا في أعلى هرم السلطة أو كانوا من أهل الولاء، فإن كل الجزائريين الذين ينشطون في الساحة السياسية يؤكدون أن مرجعهم الأساسي في السياسة هو أول نوفمبر. ولم يتجرأ أحد لحد الساعة للطعن في هذا الحدث الأساسي في تاريخ الجزائر المعاصرة، وليس من المعقول أن يطمح أحد إلى مغامرة سياسية دون أن يمجد أول نوفمبر ورموزه وأهله.

  • ولا يقتصر تبني ميراث أول نوفمبر على التيار النابع عن جبهة التحرير الوطني، بل إن كل التيارات السياسية تشترك في هذا المرجع وتحاول أن تقدم نفسها كوريث لنوفمبر، سواء كانت هذه التيارات ديمقراطية أو أصولية أو بيروقراطية متسلطة. ويستعمل كل طرف فقرة أو جملة من بيان أول نوفمبر ليبرر موقفه ويستغل رموز نوفمبر لصالح حزبه أو تياره.
  • وإذا كان أول نوفمبر يحظى بإجماع وطني، فإن مؤتمر الصومام يثير جدلا كبيرا. وجاء هذا الاختلاف لسببين أساسيين. فمن جهة، وقع الخلاف بسبب المحتوى السياسي لقرارات الصومام وبعض الاتجاهات التي تبناها المؤتمر، ومن جهة أخرى، ولعل هذا هو الأهم، فإن مجموعة من قادة الثورة، من أبرزهم العربي بن مهيدي وعبان رمضان، تكفلوا بتحضير وتنظيم مؤتمر الصومام، ولم تقبل المجموعات الأخرى في جبهة التحرير دور هذه المجموعة، واعتبرت المبادرة كمحاولة لبسط النفوذ على الثورة ومؤسساتها من طرف مجموعة واحدة.
  • ومع ممر السنين، ومع تراكم الانتصارات وتوسيع نطاق النضال، وانضمام الشعب إلى صفوف الثورة، أصبح تسيير مؤسسات الثورة معقدا، وزاد من تعقيده أن ذلك حدث في وقت لم تكن جبهة التحرير تكسب من الإطارات والموارد ما يسمح لها بتنظيم كل هذه الطاقات. وكما قال أحد الوزراء في الحكومة المؤقتة، كانت الثورة أكبر من أهلها، وتجاوزتهم في الكثير من الأحيان، وأخذت حجما تجاوز كل ما كان متوقعا، وأصبحت تحمل رموزا ومعاني لم يكن مفجرو الثورة يفكرون فيها.
  • وأخذت الثورة بعد ذلك مسارا يكاد يكون مستقلا عن إرادة قادتها، حيث أخذت منعرجات لم تكن في الحسبان، لما فرضت الثورة نفسها في المحافل الدولية وأصبحت قضية عالمية تتبناها كل الشعوب، رغم أن القضايا الداخلية للثورة لم تكن في نفس المستوى، مع تفاقم الخلافات الداخلية والانقسامات بين القادة والزعامات.
  • ولكن، رغم كل ذلك، استطاعت الثورة أن تحافظ على الخط الأساسي الذي سطره بيان أول نوفمبر، وهو البيان الذي كان يحدد ثلاثة أهداف أساسية، تتمثل في استعادة الاستقلال الوطني مع إقامة الدولة الجزائرية، وإقامة نظام ديمقراطي، وبناء المغرب العربي.
  • ورغم نقائص الدولة الجزائرية، ورغم طبيعة السلطة الحاكمة، وغياب إرادة الشعب في صنع القرار، ورغم ضعف الإدارة وانتشار الفساد وانهيار القيم، يمكن القول إن الهدف الأول المتمثل في استعادة السيادة الوطنية قد تم تحقيقه، وعادت الدولة الجزائرية إلى الوجود برايتها ورموزها.
  • لكن المسيرة انتهت عند هذه النقطة، ولم تحقق البلاد تقدما فيما يتعلق ببناء النظام الديمقراطي ووحدة المغرب العربي. ورغم الخطب التقليدية حول تمسك الجزائريين بالحرية وأخوة شعوب المنطقة، فإن الواقع يؤكد أن الجزائر تبتعد حاليا عن الأهداف الأخرى التي سطرها أول نوفمبر. وتعيش البلاد تراجعا مستمرا سواء تعلق الأمر بحرية المواطنين أو بناء المغرب العربي. ويكفي لتأكيد ذلك أن نشير إلى أن اعتماد الأحزاب الجديدة أصبح مستحيلا، وأن الحدود الجزائرية المغربية تبقى ضمن القائمة القصيرة جدا للحدود التي ما زالت مغلقة، حتى ولو كان الطرف الجزائري لا يتحمل المسؤولية لوحده.
  • وإذا كان بيان أول نوفمبر يؤكد عبقرية تلك المجموعة، فإن الخطأ اليوم واضح، ويكفي الرجوع إلى أول نوفمبر لإدراكه. إن الخطأ يتمثل في الاعتقاد أنه يمكن للجزائر أن تحقق هدفا من أهداف نوفمبر وتتخلى عن الباقي. الخطأ هو الاعتقاد أنه يمكن للجزائر أن تستعيد استقلالها وتضع حدا لمسيرتها، دون بناء النظام الديمقراطي ودون بناء المغرب العربي. والحقيقة أن التخلي عن باقي الأهداف التي سطرها أول نوفمبر سيؤدي حتما إلى التخلي عن السيادة الوطنية، لأن أهداف نوفمبر كل متكامل لا يمكن فصل بعضها عن البعض.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • بدون اسم

    حتى لو لم يسطر اجدادنا بيان أول نوفمبر ولم تسعفهم امكاناتهم الفكرية دلك الوقت فانه من واجبنا اليوم أن نجد حلولا لمشاكلنا لا مندوحة عن بناء الدولة التي تبدأ ببناء الانسان الجزائري من جديد لقد زادتنا سنوات الارهاب تخلفا في كل الميادين لكن لا مناص لنا من التمسك بهدف النهضة والبناء والبحث عن مفكرينا واطاراتنا في علم الاجتماع والنفس علهم يجدون لنا خيطا مضيئا يدلنا علىبداية الطريق