الرأي

“نُوام” الشّعب.. ألا تستحون؟!

محمد حمادي
  • 5679
  • 8

سفينة الأحزاب التي تُبحر كل خمس سنوات نحو الانتخابات المحلية والتشريعية، وتتباهى في كلّ مرّة بحصدها مقاعد في البرلمان بغرفتيه السفلى والعليا، ونيل العضوية في المجالس البلدية والولائية، عليها أن تراجع حساباتها وتلتفت إلى أولئك النواب الذين يرتدون قبعتها السياسية، لكونهم تحولوا إلى مجرّد “نائمين” تحت قبة البرلمان، ومنهم من أضحى يمارس هواية قديمة متجدّدة؛ ألا وهي الغياب عن جلسات مناقشة القوانين، في سلوك غير حضاري لا يمتّ بصلة إلى مهنة نبيلة مهمتها الدفاع عن حقوق الشعب من أي تعسف أو ظلم جراء تطبيق سياسات أو قوانين خاطئة من قبل السلطة التنفيذية!

مشاهد الهروب والتواري عن الأنظار خلال مناقشة القوانين داخل البرلمان، التي حولت قبة زيغود يوسف إلى مكان خاوٍ على عروشه، لم تزد الصورة النمطية السوداوية التي حفرت في أذهان الجزائريين عن النواب إلا قتامة، بعدما تميّعت مهنة تمثيل الشّعب في مؤسسة تشريعية اسمها المجلس الشعبي الوطني، وأصبحت محل انتقادات وتشكيك، وفي كثير من المحطات تحولت إلى مصدر للتندر والتنكيت والسخرية لدى أفراد المجتمع، حتى أصبح البرلماني في نظرهم مجرّد “نائم” في قبعة زيغود يوسف يتقاضى مرتبا محترما عن “نومه”!

للأسف، كلما تنقضي عهدة نيابية وتحلّ أخرى لا نلمس اختلافا أو تقدّما في أداء البرلمانين؛ تتغير الوجوه وتبقى الممارسات السلبية ذاتها؛ فقد حافظ للأسف كثير من النواب على مشعل “النوم” وسلموه إلى من خلفهم، وبقوا أوفياء لعادة الهروب والغياب عن جلسات مناقشة القوانين. لكن كيف يتنكر نواب البرلمان لأولئك الذين منحوهم أصواتهم الانتخابية؟ كيف يتوارون عن الأنظار ويغيبون عن جلسات مناقشة أهم قانون وهو المالية؟ أإلى هذه الدرجة صار الجميع يُمعن في إيذاء هذا الشّعب؟ ألا تكفيهم العذابات التي يتجرّعها جراء الزيادات التي طالت كل شيء وحطمت قدرته الشرائية؟

الحقيقة هي أنّ ممثلي الشعب في الغرفة السفلى، قطع كثير منهم العهد على نفسه بأن يخدم مصالحه الشخصية وينتفع من امتيازات العهدة النيابية ما استطاع إلى ذلك سبيلا، غير مكترث بالوعود التي وزّعها في الحملة الانتخابية.

والسؤال الذي يفرض نفسح بإلحاح: كيف تكون لنا هيئة تشريعية قوية يحسب لها الجهاز التنفيذي ألف حساب، وغالبية النواب يغيبون عن مناقشة القوانين المصيرية بحجج تكون أحيانا واهية لا يتقبلها العقل؟ إلى متى يبقى البرلمان يناقش قوانين مصيرية أمام كراسي فارغة؟

أكيد، لا يمكن وضع جميع نواب البرلمان في خانة المتسيبين والهاربين والمتقاعسين عن خدمة الشعب؛ فهناك برلمانيون مخلصون ولمهنتهم محترمون، لم تغيرهم أبّهة المنصب ولا برستيجه؛ حيث تراهم يدافعون عن المواطن ويرفعون انشغالاته إلى المسؤولين بطرق حضارية بعيدة عن التهريج والكرنفالية التي وقع فيها كثير من المنتسبين إلى هذه الهيئة التشريعية.

وباختصار، فإنّ هذه الممارسات غير المقبولة أفقدت الشعب الثقة في الأحزاب والمرشحين وفي العملية الانتخابية برمّتها، التي لم تعد تفرز سوى مزيد من الانتهازيين والمتسلقين الذين ألفوا توزيع الوعود الكاذبة في كل موعد انتخابي.

لذلك على النواب الذين اتخذوا من الغياب عن جلسات مناقشة القوانين ديدنا أن يستحوا من أولئك الذين اختاروهم لتمثيلهم في البرلمان، لأنّ أكبر جرم في حقهم هو خيانة ثقتهم لو كانوا يعلمون!

مقالات ذات صلة