هؤلاء “فاوضوا” الله تعالى على بقرة!
انتهت الجولة الـواحدة والعشرون من المفاوضات غير المباشرة بين حماس والاحتلال يومي 15 و16 أوت الجاري إلى الفشل الذريع كما كان متوقَّعا تماما، حتى وإن حاول المسؤولون الأمريكيون عبر تصريحاتهم الإيحاء بغير ذلك، وهذا بسبب تصلّب رئيس وزراء العدوّ بنيامين نتنياهو ورغبته في مواصلة الحرب إلى أن يحقّق أهدافه كلّها ولو أفضت إلى هلاك الأسرى الصهاينة جميعا.
عشرة أشهر كاملة والمفاوضات غير المباشرة جارية بوساطة الولايات المتحدة ومصر وقطر، عُقدت خلالها 21 جولة، فماذا تحقّقَ باستثناء صفقة جزئية لتبادل مئات الأسرى بين الجانبين في أواخر نوفمبر الماضي؟ بل ماذا حقّقت قبل ذلك المفاوضاتُ الماراطونية العبثية التي دامت 31 سنة كاملة بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية غير قضم 40 بالمائة من مساحة الضفة الغربية وإغراقها بـ750 ألف مستوطِن؟ ألم ينته هذا المسلسلُ العبثيُّ أخيرا بإعلان صهيوني صريح رفضَ قيام دولة فلسطينية ولو كانت منزوعة السلاح وعلى 22 بالمائة فقط من فلسطين التاريخية ويُصدر البرلمانُ الصهيوني “الكنيست” قرارا قطعيّا بذلك؟
طولُ أمد المفاوضات وما يعتريها من مراوغات وتهرّب وتملّص ولجاجة وإلحاح ومكر… غيرُ غريب عن تاريخ اليهود؛ فقد سبق لهم أن تجاوزوا كلّ حدود الأدب مع الخالق سبحانه وتعالى و”فاوضوه” على بقرة عبر موسى عليه السلام؛ فكانوا في كلّ مرة يطلبون من نبيّهم أن يسأل الله أن يحدّد لهم: ما هي؟ وما لونها؟ وما شكلها؟.. وغيرها من التفاصيل التي غرقوا فيها، وتذرّعوا بأنّ البقر قد تشابَهَ عليهم، قبل أن ينصاعوا أخيرا للأمر الإلهي ويجلبوا البقرة ويذبحوها “وما كادوا يفعلون”، وفق ما ورد في القرآن الكريم!
وما دام هذا الصِّنفُ البشري المغضوب عليه قد تجرَّأ على أن “يفاوض” خالقه سبحانه على بقرة، ومن دون أيّ تعظيم وتقديس لمقامه جلّ جلاله، أو تبجيل وتوقير لنبيّه موسى عليه السلام، وأبدى الكثير من المماطلة والتهرُّب والعناد، فهل تنتظر حماس أن يرضخ هذا الصّنفُ المارق لشروطها خلال المفاوضات مهما كانت منطقية ومعقولة؟
العالمُ كله يتابع كيف يتفنّن نتنياهو في وضع الشرط تلو الآخر لإفشال المفاوضات؛ كلّما قبلت حماس شرطا، وضع آخر جديدا، وبلغ الأمر إلى درجة أنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن أعلن في 31 ماي الماضي أن الاحتلال قدّم مبادرة جديدة تتعلق بتبادل الأسرى، وحينما فاجأته حماس بقبولها، لم يجد نتنياهو حرجا في التملّص منها والتنكّر لها ووضع شروط جديدة بدلها، آخرها رفض الانسحاب من محور فيلاديلفيا، وعدم السماح لمقاتلي حماس بالعودة إلى شمال غزة، ورفض وجودها في معبر رفح… وفي الوقت ذاته يواصل الاحتلال استهداف مدارس اللاجئين ويرتكب بحقّهم مجازر مهولة كلّ يوم، قصد دفع حماس إلى إعلان وقف التفاوض وتحميلها المسؤولية بعد ذلك.. أليس ذلك كلُّه دليلا قاطعا على أنّه لا يريد أسراه أحياء، ولا وقفَ الحرب؟
لا نعتقد أنّ الاحتلال سيوقف الحرب الحالية إلا إذا تأكّد تماما من أنّ استمرارها يعني الانهيار الحتمي لجيشه وهروب جنوده جماعيًّا من ساحات القتال بغزة، هذا هو الوضع الوحيد الذي سيُجبره على وقف القتال وتوقيع صفقة تبادل الأسرى وفق شروط حماس، ونعتقد أنّ هذا اليوم ليس بعيدا؛ فقد خسر جيشُه إلى حدّ الساعة عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، و1700 على الأقل من دباباته ومدرّعاته، وأصبح كبار ضباّطه يضجّون بالشكوى من إنهاك الجنود وإحباطهم، وإذا استمرّت الحرب على هذه الوتيرة فسيحدُث الانهيار الحتمي للجيش وتُكسر عجرفة نتنياهو ووزرائِه المتطرّفين العنصريين ويُجبَرون على الاستسلام، وتنتهي بعدها حياة نتنياهو السياسية ويقاد إلى السجن.
لقد أحسنت حركة حماس صُنعا حينما رفضت المشاركة في الجولة الـ21 من المفاوضات غير المباشرة وتركتها للوسطاء والوفد الصهيوني بالدوحة، وأعلنت بعدها، على لسان عضو المكتب السياسي غازي الحمد، أنها لن تخوض بعد اليوم مفاوضات عبثية، لأنّ نتنياهو يراوغ ويمارس الخديعة ويصرّ على إفشال المفاوضات واستمرار الحرب، وأكّد الحمد ثبات حماس على شروطها وهي: الوقف الكامل للحرب، وانسحاب الاحتلال من غزة كلّها، وعودة سكّان الشمال بلا قيود، وإبرام صفقة تبادل الأسرى.
وقبل ذلك أحسنت الحركة حينما ردّت على غطرسة العدوّ وتصلّبه باختيار يحيى السِّنوار رئيسا لها خلفا لإسماعيل هنيّة رحمه الله، وفي هذا رسالة واضحة للاحتلال بأنّ الحسم سيكون في الميدان وليس عبر ماراطون المفاوضات. وبالمناسبة، نأمل أن يكون السِّنوارُ فعلًا هو “صلاح الدين العصر الحديث” كما وصفه الجنرال الصهيوني في الاحتياط عوفر فينتير.