الرأي

هؤلاء من يتحكمون في صنع القرار الأمريكي! فكيف ندير علاقتنا مع الأمريكان؟

صالح عوض
  • 5799
  • 0

الولايات المتحدة الأمريكية هي أعظم دولة في العالم ولعلها أعظم دولة مرت في التاريخ البشري في مجال النفوذ والتأثير على بقية دول العالم وشعوبه وهي تمتلك القدرة الكبيرة على تغيير أوضاع ومحاسبة حكام وشعوب بما لديها من قوة عسكرية ومالية وأمنية وإعلامية وبما لها من إستراتيجية كونية.. فمن ذا الذي يصنع القرار ويشكل الموقف في الولايات المتحدة وهل ما يصنعه الأمريكان من قرارات تخص العالم لا يمكن اختراقه وهل الوضع الأمريكي مستمر في تفوقه والى أي مدى؟ وعليه كيف ندير علاقاتنا نحن العرب والمسلمون مع الأمريكان كي لا نقدم جهودا بلا فائدة وكي لا نمشي في طريق لا يوصل إلى هدف؟

إنه لمما يثير الحزن والأسى أن يبذل سياسيو العرب كل جهدهم لكسب عطف ود الرئيس الأمريكي أو وزير خارجيته أو أحدا من ضباط السي أي إيه، في حين لا يجد هذا الرئيس أو ذاك المسؤول الأمريكي من الاحترام والهيبة لدى الهيئات الأمريكية ما يجده في التعامل مع حكام العرب والمسلمين وذلك ظنا منهم بأن له من السلطة على بلده ما لأحدهم في بلده.

أصبح متواترا لدى الكثيرين منا بشكل عام أن الشركات الإقتصادية الكبرى والتي تتحكم في الإقتصاد الأمريكي تقف وراء كل قرار استراتيجي لسياسة الولايات المتحدة.. ورغم هذا لم نر من الجهد السياسي ما يمكن اعتباره إشارة لتصحيح مسار العمل العربي في إتجاه أمريكا.

ولكن من المفيد قبل المواصلة في الحديث عن عجز الآداء العربي سياسيا على المستوى الدولي التعرف على جانب آخر في خريطة مراكز القوى في الطبقة السياسية الأمريكية.

فبالإضافة للهزات الإقتصادية التي أصبحت سمة المرحلة الحاضرة بالنسبة للإقتصاد الأمريكي الذي يتعرض إلى موجة من الكساد وفقدان القدرة على التحكم فيه.. بالإضافة إلى ذلك فإن موضعة المصانع وإنشاء الحدود القومية أمام تدفق رأس المال ومرافق الخدمات جعل الحكومات المتوالية سواء يسار الوسط أو يمين الوسط تجد نفسها في ورطة ومتعذر عليها إيجاد سياسة اقتصادية توفر مخدة واقية من هزات التحولات الاقتصادية التي تسبب فيها اليمين المتطرف وحتى لو كانت هذه السياسات صحيحة فإنه على رأي الواشنطن بوست فإن الحملة الإنتخابية القادمة ستحل قبل أن تثبت الحكومة القائمة  أنها تسير على خط صحيح. هذه مشكلة حقيقية تجعل من سلطان الرئيس أقل تأثيرا، ولكن هناك عناصر أخرى تجعل مهمة الحكم في هذه الآونة أصعب بكثير.. فقد عملت شروط ضعف مؤسسات الحكم الثلاث: الأحزاب والكونغرس والرئاسة على تدمير قدرة النظام على تطوير سياسة متناسقة والحفاظ عليها وغذى هذا الضعف نسقين من مراكز القوى: 1- جماعات المصالح  و2- الصحافة. ليصل الحد كما صرح السيناتور الأمريكي (بيل بروك) ووزير التجارة الخارجية في عهد (ريقان)، “إن البلدان الديمقراطية في أنحاء العالم ضعيفة هذه الأيام”.

في الولايات المتحدة ليس هناك حزبان سياسيان بل هناك 536 حزبا، مائة هم  أعضاء مجلس شيوخ، و435 عضوا في مجلس النواب ثم الرئيس، وكل من هؤلاء حزب سياسي لوحده، وكل منهم نال الوظيفة التي رغب فيها وجمع الأموال اللازمة لحملته الانتخابية واستأجر هيئات استطلاع آراء الناخبين ووسائل الإعلام واختار القضايا التي تستأثر بعواطف الناخبين وخاض الحملة كما لو أنها الوظيفة الوحيدة على جدول الاقتراع.

وهكذا وجد أوباما شأن الرؤساء السابقين أن التعامل مع أعضاء الكونغرس أصعب في الغالب من المفاوضات مع رؤساء الدول ذات السيادة.. فمثلا نجد الرئيس نفسه يحاول عقد صفقات مع أشخاص يتصرفون بشكل ذاتي صارم مثلما فعل كلينتون مع المليونير (هيربرت كول) وهو سيناتور ديمقراطي من ولاية ويسكونسون وقام بنفسه بالإنفاق على حملته، وكان قد أبلغ الرئيس أن سقف زيادة الضريبة على الغاز 4.3 سينت بالتحديد. واضطر كلينتون لأن يقبل ذلك لأن السيناتور يمتلك سيطرة على آلية التصويت لمجلس الشيوخ.

وهذه واحدة من عدة صفقات مكنته من تمرير موازنته بصوت واحد داخل مجلس النواب وبالصوت المرجح لنائبه آل غور داخل مجلس الشيوخ أما إتفاق (نافتا) وغيره فقد احتاج إلى مساومات أشد وأعقد، وإذا كانت حصيلة كلينتون في التعامل مع الكونغرس أرباحا أكثر من الخسارة فإن سيرورة المساومة قد تضمنت التضحية بأهداف (وطنية) هامة.. سياسة عقلانية الطاقة على سبيل المثال.

وعلى مستوى آخر فهناك عوامل عديدة لإضعاف الرئاسة الأمريكية، فمثلا ينظر بملاحظة شديدة إلى أن هذا الرئيس كافح من أجل تدبير أمور موظفي البيت الأبيض في حين يصاب بالخيبة وهو يحاول تعيين (بوبي إينمان) مما يثير الشكوك حول كيفية إدارة الرئيس.. وهذه مسألة متجذرة في الوجدان  الأمريكي تبدأ من ليندون جونسون في حرب الفيتنام وكارثر في إيران حتى جورج بوش في فضيحة إيران كونترا.. وكلينتون الجديد ومبرراته للتخلف عن الخدمة العسكرية بشأن قضية (وايتووتر) ومأساته في الصومال.. وظهور بشكل مرتبك شخصيا وسياسيا كل هذا يدفعه إلى الأسفل لا سيما وهو يطرح شعارات ضخمة عن التعليم والرعاية الصحية والرعاية الإجتماعية..كما يبدو أوباما مضطربا مقيدا غير  قادر على التقدم فيما طرحه بخصوص قضايا داخلية وأخرى خارجية.

السؤال هنا إذا كانت الرئاسة ضعيفة والأحزاب ضعيفة فما هو وضع الكونغرس؟ وضع البرلمانيين محكوم بمن يقف وراءهم أولئك الذين يغذي مزاجهم هجمات مشحونة بالقلق الجدي لديهم، 

وهكذا يتضح أن الكونغرس يتحرك كعرائس الأرجوز بفعل قوى في الخفاء لها مصالحها الهائلة.. وكانت قضية الحرب على العراق ورفض الكونغرس لها في البداية تكشف السبب نفسه الذي جعله يقبل في نهاية الأمر عندما أصبح واضحا حجم المكتسبات المالية الرهيبة التي ستنشأ عن تجريد الحملة على العراق وعن السيطرة على منابع النفط..ولم يكن هناك أي معامل ذي بال في الحرب بشكل عميق..  صحيح أن هناك أبعادا كثيرة للحرب لكن العنصر الذي جعلها واقعا وليس إرادة فقط هو أصحاب المصالح.

إن أصحاب المصالح هؤلاء يزيدون في دفع الولايات المتحدة نحو تحقيق مزيد من الانتصارات للسيطرة على مواطن الربح كان ذلك بالحرب أو بالسياسة.. والمسألة عندهم خاضعة لقانون الربح والخسارة.

فما كان للكونغرس أن يقتنع بالحرب ضد العراق لو أنه أحس بإمكانية مواجهة تلحق بأمريكا خسارة فادحة.. وما كان للحصار أن يستمر لو أن البواخر الشاحنة نفطا أو الجالبة أدوات أو الراسية والمارة توقف عنها تقديم المساعدة من قبل الدول العربية.

إن إدراك هذه الحقيقة من شانها ان تدفع سياسيي وطننا العربي في هذا الاتجاه الصحيح  يتعاملون مع الأشياء بواقعية تجنبهم مضيعة الوقت والضحك على لحاهم يصبحون قادرين على إقناع أصحاب المصالح أن ربحا متبادلا سيحصل إن اتخذت الإدارة الأمريكية الموقف الفولاني وستكون الخسارة كذلك إن حدث العكس.. بمعنى آخر يجب أن يتحول مالنا نحن العرب إلى سلاح استراتيجي بأيدينا ولا نغفل عن هذا أبدا.. كما يصبح سوقنا مفتوحا للتنافس الدولي المسيطر عليه من قبلنا والذي يصبح أيضا أحد أسلحتنا وليس العكس.

إن الصراع في كل المناطق اليوم يسيره كبار أصحاب المصالح في هذا الكون وهؤلاء لا دين لهم ولا آيديولوجيا سوى المال وهم يوظفون الدين والآيديولوجيا لمصالحهم.. وموضوع جنوب إفريقيا الذي لقي دعما غربيا عنصريا للأقلية البيضاء عقودا من الزمن ضد الأفارقة أهل البلاد الأصليين عندما كان الذهب مرجعية العملات العالمية.. وعندما انتقلت مرجعية النقد من الذهب إلى العملات المهيمنة في العالم حينذاك سمح الغرب بإجراءات (الديمقراطية والمساواة) في جنوب إفريقيا.. وحرب الفيتنام والمصالح الكبرى الأمريكية ورفع الحظر عنها اليوم في محاولة لتخفيف وطأة أزمة الاقتصاد الأمريكي حيث الشركات الأمريكية ستجد سوقا لها مهما..كما مثال تعامل أمريكا مع الصين اقتصاديا له دلالة كبيرة وهذا التوجه نفسه الذي يسيطر على السياسة الأمريكية تجاه الدول الاشتراكية القديمة.

هذه حقيقة لابد من تدبرها لكي ندرك أن الذي يحكم في الولايات المتحدة ليس هو الرئيس ولا الأحزاب ولا الكونغرس إنما هم الفريشمان أصحاب المصالح.. ونحن في مواجهتهم لدينا أوراق مهمة وحاسمة ورابحة في السوق يمكن اللعب بها بشكل مفيد نحقق فيه مصالحنا وحقوقنا .. يعني ذلك أن نعد جيشا من الاقتصاديين النوابغ الغيارى بدلا من انهماكنا في إعداد أجيال من الدبلوماسيين الحواة والسياسيين المهرجين.. كما علينا أن نهتم بإنشاء الصناعات الأولية والتكنولوجية الفائقة بدلا من الانشغال بالترسانات العسكرية التي ننفق أموالنا الباهظة لشرائها من مخازن الغرب أو الدول الاشتراكية التي تريد التخلص منها.

إن اليابانيين الذين شقوا طريقهم منذ عشرات من السنين قليلة يطلقون أقمارهم الصناعية اليوم بتكنولوجيا يابانية مئة في المئة وقد أجادوا اللعب مع الأمريكان بحيث عادت صورتهم بجانب الأمريكان صورة شاب يافع كله حيوية وطموح إلى جانب رجل عملاق ضخم الجثة والهيبة لكنه نخر ومهدد بالتفتت.. وحتى يظل مثال اليابان شاخصا لنا فإنه لابد من التأكيد على أن العرب وحدهم كأمة تمتلك منهجا بديلا عن قيم الغرب ومنهجه.

كيف ندير علاقتنا مع الأمريكان هذا الوحش الضخم الذي لا يهمه إلا أن يأكل وبنهم شديد ويبطش بكل فتك؟! إن ذلك يحتاج منا مزيدا من تقوية الجبهة الداخلية.. وتفويت الفرصة عليه!

على مستوانا العربي ليس متاحا مرحليا إقامة وحدة اندماجية بين أقطارنا.. ولكن من المهم أن يُنجز سوق عربي في محيط إسلامي مشترك يقوم على أساس التكامل الاقتصادي.. وأن تخطو مؤسساتنا العلمية خطوات مهمة لدراسة إمكانات التكامل ووضع دستور لهذا السوق يحكم مجمل العلاقة فيما بين الأطراف  وغيرها وينبغي أن يكون هذا السوق في معزل عن أهواآء الساسة ومصالحهم الذاتية.

بسوق مشتركة وبمؤسسات علمية تولي التكنولوجيا والصناعات الأولية الاهتمام اللازم.. وذلك كله في منأى عن الاختلافات الآيديولوجية والسياسية.. يمكننا أن نشكل جبهة قادرة على الصمود وتحقيق الاختراقات المضادة للوضع الدولي. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة