هذا أبلغ ردّ على “التنويريين” و”الحداثيين”
عقب ظهور نتائج امتحان شهادة التعليم المتوسط، ثم امتحان البكالوريا، في صيف كل عام، تتوالى اعترافات المتفوّقين النوابغ الذين حصلوا على المراتب الأولى على المستوى الوطني أو في ولاياتهم، وتصبّ جلّ هذه الاعترافات المنشورة في الصحف ووسائل الإعلام الوطنية في أنّ حفظ القرآن الكريم، كله أو نصفه حتى أجزاء منه، كان -إلى جانب الاجتهاد والمثابرة والمرافقة الأسرية- أحد أسباب نبوغهم وحصولهم على معدّلات عالية.
واللافت للانتباه أنّ الأمر لا يقتصر على التفوّق في المواد الأدبية كما قد يتبادر إلى الذهن، بل يشمل أيضا الفروع العلمية، مثلما يظهر من اعترافات الحاصلين على البكالوريا كل سنة في هذه الشّعب.
وفي هذه السنة أيضا، أكدت اعترافات المتفوّقات وطنيا أو ولائيا في امتحان شهادة التعليم المتوسط أنّ حفظ أجزاء من القرآن الكريم كان أحد أسرار تميّزهن وحصولهن على علامات عالية في شتى المواد، الأدبية منها والعلمية.
هذه الحقيقة تعدّ أبلغ ردّ على من يسمّون أنفسهم “حداثيين” و”تنويريين” في العالم العربي والإسلامي الذين طالما هاجموا سياسة تحفيظ القرآن الكريم للصغار في بلدانهم، وعدّ بعضهم ذلك “مرهقا للذهن” و”حفظا ببّغاويّا” لا طائل منه ما دام الصغار لا يفهمون جلّ كلمات القرآن التي تفوق قدراتهم العقلية الغضّة في مثل هذه السنّ المبكّرة، والأجدى من ذلك -برأيهم- هو التركيز على تعليمهم آليات التفكير النقدي الذي يعلّمهم الإبداع والابتكار بدل حشو أذهانهم بالتلقين والحفظ غير المجدي.
نحن لا ننكر أنّ منظوماتنا التربوية في العالم العربي والإسلامي ينبغي أن تركّز على التعليم الإبداعي تماشيّا مع الثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة التي تجتاح العالم كلَّه وتحتاج منّا إلى إعداد أجيال مبدعة شغوفة بالابتكارات والاختراعات، لكنّ ذلك ينبغي أن لا يمنعنا من إلحاق أطفالنا بالمدارس القرآنية المنتشرة في شتى مناطق الوطن لحفظ ما تيسّر لهم من القرآن الكريم، سواء حصل ذلك بالموازاة مع الموسم الدراسي، إذا كان في المجال متّسع، أو على الأقل خلال العطل الصيفية؛ فاعترافات النوابغ كلّ سنة بشأن دور القرآن الكريم في نبوغهم واضحة ولا يكذّبها كل ذي عقل حصيف، وعلى الأولياء الانتباه إلى هذه النقطة وعدم حرمان أطفالهم من التعليم القرآني، فهم مسؤولون عنهم، وينبغي أن يلحقوهم بالمدارس القرآنية كل صيف على الأقل، فذلك يرفع قدراتهم الذهنية الاستيعابية في مشوارهم الدراسي كلّه، فضلا عن إبعادهم قدر الإمكان عن الشارع المليء بالآفات، ولا نرى أيّ تعارض بين التعليم الإبداعي وتحفيظ القرآن الكريم كما يزعم “الحداثيون” و”التنويريون”.
ثم إنّ التجارب أثبتت، على مدار سنوات طويلة، أنّ الأطفال الذين ألحقوا بالمدارس القرآنية قبل بلوغ سنّ السادسة ودخول المدارس الرسمية، قد تفوّقوا بأشواط كبيرة وواضحة على أقرانهم الذين ألحقهم آباؤهم بالتعليم التحضيري بالمدارس قبل السنة الأولى ابتدائي، وانعكس ذلك في النتائج الدراسية لكلا الفريقين ومستوياتهم المعرفية في مختلف المراحل التعليمية اللاحقة إلى غاية تخرّجهم، ويكفي فقط أن نقول إنّ المتمكّنين من ناصية اللغة العربية والمتفوّقين في آدابها ونحوها وصرفها والمتميّزين بمهارات معرفية كبيرة خدمتهم في مسارهم المهني لاحقا، داخل الوطن وخارجه، هم الذين تلقّوا تعليما قرآنيا كافيا في مرحلة مبكرة من حياتهم، في حين يعاني من حرم هذه النعمة من ضعف لغوي ومعرفي كبير.
ومن حسن الحظ أنّ المخطط التغريبي الذي قادته في العقد السابق وزيرة تربية محسوبة على “العصابة” وعلى أصحاب “الفكر التنويري” في الجزائر لمحاصرة المدارس القرآنية وتفريغ التعليم القرآني من محتواه، قد فشل فشلا ذريعا بعد أن تصدّى له الخيّرون من أبناء هذا الوطن وأحبطوه وثبّتوا هذا النوع من التعليم ونشروه على نطاق واسع، سواء في المساجد أو في مدارس قرآنية مستقلة. وتعدّ عشرات آلاف المساجد والزوايا والكتاتيب بشتّى أنحاء الوطن كل صيف برنامجا ثريّا لتعليم القرآن للصغار وتحفيظهم ما تيسّر منه، ما يجعل إمكانية الاستدراك قائمة في أيّ وقت، وهذه من النعم التي لا نجدها بالزخم ذاته في دول إسلامية عديدة.