هذا كل ما قامت به الحكومات دون حلّ الأزمة الاقتصادية
لجأت الحكومة منذ بداية الأزمة النفطية عام 2014 إلى إجراءات وحلول قصد مجابهة الصدمة العنيفة لتهاوي سعر البرميل، لكن الإجراءات توالت وتعددت، والوضع الاقتصادي للبلاد سار من سيئ إلى أسوأ بشهادة الحكومة نفسها بعد دخول الأزمة عامها الرابع، دون التحرر من التبعية النفطية ودون تحقيق نمو يذكر خارج قطاع المحروقات.
وتلخصت الإجراءات الحكومية منذ بداية الأزمة، في ترشيد النفقات التي تحول لاحقا إلى تقشف وتجميد وإلغاء لعدد من المشاريع، وإقرار قيود على الواردات رغم أن تكلفتها بقيت مرتفعة جدا، وزيادة نسب بعض الضرائب والرسوم، ورفع أسعار الوقود للعام لثلاث أعوام متتالية، وفتح المجال للقطاع الخاص لدخول رأسمال المؤسسات العمومية، وإطلاق عملية اقتراض داخلية (القرض السندي للنمو)، وتعديل قانون النقد والقرض لطبع الدينار، وإقرار ضريبة على الثروة لأول مرة في تاريخ البلاد.
من ترشيد النفقات إلى التقشف
وتبنت الحكومة خطابا تطمينيا في بداية الأزمة أي في النصف الثاني من 2014، اتسم باختيار مصطلحات محددة بدقة، واجتهدت الحكومة في وصف الإجراءات والتدابير بأنها “ترشيد للنفقات وليس تقشفا”، وأكدت أن المشاريع التنموية والطابع الاجتماعي للدولة غير قابلة للنقاش.
واستمرت الحكومة في نشر ثقافة ترشيد النفقات ومواصلة سياسة التنمية خلال العام 2015 لكن استمرار تهاوي أسعار النفط بشكل غير مسبوق دفع بالحكومة لتغيير خطابها واتخاذ إجراءات جديدة أيضا.
ففي قانون المالية 2015 توقعت الحكومة نموا خارج قطاع المحروقات بواقع 4.25 بالمائة ليكون خطوة أولى نحو الخروج من التبعية النفطية، لكن وبعد مرور 4 سنوات تقريبا على الأزمة ما زال النمو خارج المحروقات في مستواه السابق، وكذلك الشأن بالنسبة للصادرات خارج النفط والغاز التي بقيت تراوح مكانها.
وفي 2015 شرعت الحكومة في إجراءات للحد من النفاق العمومي منها المذكرات الداخلية للإدارات والمؤسسات بالحد من استهلاك الكماليات (الورق والمعدات) وقلصت اقتناء السيارات الجديدة، وفرضت شراء سيارات تعمل بالغاز.
وفي 2015 أيضا بدأ الحديث عن كبح غول الواردات الذي بدأ بالسيارات التي أخضعتها الحكومة لنظام الرخص، ومعها تقلص عدد المركبات التي تدخل الجزائر، والتهبت أسعار الجديدة منها والمستعملة.
تجميد المشاريع والتوظيف ورفع أسعار الوقود
وفي قانون المالية لسنة 2016 رأت الحكومة بأنه بات من الضروري اتخاذ إجراءا أخرى جديدة للتقليل من وطأة الأزمة في ظل استمرار تهاوي أسعار النفط.
ومن أبرز ما اتخذ في 2016 الزيادة في أسعار الوقود التي ظلت لسنوات في منأى عن أي زيادة، حيث تم رفع أسعار البنزين بأنواعه والمازوت، وراج الحديث عن توجه الحكومة لتقليص الدعم الاجتماعي وجعله موجها للفئات التي تستحقه.
ولمواجهة العجز لجأت حكومة سلال حينها للضغط على ميزانية التجهيز، ودخلت عهد التقشف رسميا، حيث تم تجميد مشاريع للبنى التحتية وأخرى للمنفعة العامة منها مستشفيات ومرافق عامة.
وتم إقرار رخص الاستيراد رسميا في 2016 من خلال مرسوم تنفيذي، والتي شملت السيارات والاسمنت وتوسعت لمواد أخرى لاحقا، لكن فاتورة الواردات لم تقل عن 47 مليار دولار في ذات العام.
وعام 2016 وبغية مواجهة شح المداخيل قررت الحكومة تجميد التوظيف في الوظيف العمومي، وجعله مقتصرا على الحالات الضرورية والقطاعات الحساسة، وأعقبتها بتعديل قانون التقاعد للحد نفقات صندوق التقاعد بسبب نسبة الإحالة على التقاعد النسبي والنصفي ودون شرط السن.
قرض سندي بنتائج مخيبة.. فوضى الاستيراد والمزيد من الضرائب
وفي 2016 بحثت الحكومة عن مخارج نجدة لم يتضمنها قانون المالية، حيث تم اللجوء إلى عملية اقتراض داخلية من خلال القرض السندي للنمو،والذي جندت له حملات اتصالية وتعبئة عبر جل القطاعات، لكن نتائجه كانت مخيبة حيث تم في نوفمبر 2016 الإعلان عن تحصيل 568 مليار دينار (5 مليار دولار).
وفي مشروع قانون المالية لـ 2017 فتحت الحكومة الباب أمام الخواص لدخول رأسمال الشركات العمومية بنسبة قصوى تصل 34 بالمائة، في خطوة سعت من خلالها للتخلص من جزء من الأعباء المالية لهذه الشركات.
وللعام الثاني على التوالي عمدت الحكومة إلى زيادة أسعار الوقود (البنزين والمازوت) وأعفت الـ “جي.بي.أل” مي أي زيادات.
وتوسعت إجراءات الحكومة لاحتواء الأزمة في 2017، لتشمل قائمة السلع المعنية برخص الاستيراد في 2017 بعض الفواكه والهواتف الأجهزة الكهرومنزلية ومواد التجميل وغيرها.
وكان قطاع الضرائب معنيا هو الآخر في 2017 حيث تضمن قانون المالية زيادات في بعض الرسوم على غرار الرسم القيمة المضافة، التي ارتفعت من 17 إلى 19 بالمائة بالنسبة للمعدل العادي، ومن 7 إلى 9 بالمائة بالنسبة للمعدل المنخفض، إضافة لزيادة بـ 25 بالمائة للرسوم على المنتجات المستهلكة للطاقة الكهربائية، ورسوم أخرى على العقارات والأملاك الفردية.
وفي النصف الثاني من 2017 لجأت الحكومة بشكل مستعجل إلى تعديل قانون القرض والنقد للسماح لبنك الجزائر من الاقتراض من الخزينة العمومية، وطبع المزيد من الأوراق النقدية، لتصفية الدين العمومي وتمويل الصندوق الوطني للاستثمار.
وفي مشروع قانون المالية للعام المقبل تبنت الحكومة وللعام الثالث على التوالي خيار رفع أسعار الوقود، وأقرت ضريبة على الثروة لأول مرة، ستمس نحو 10 ملايين جزائري.