هذا ما يجنيه الجزائريون من المركز الوطني للخدمات الرقمية!
تسريع الوثائق وتأمين المعطيات ومنع نزيف “الدوفيز” وتصدير الخدمات
تبادل فوري للبيانات بين الإدارات واستخراج الوثائق بربط المنصات الحكومية
المؤسسات الناشئة تستغني عن الشركات الأجنبية والخدمات بالدينار الجزائري
يُرتقب أن يشكل المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية، الذي دشنه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الأحد، نقطة تحول في مسار الرقمنة بالجزائر، لما سيتيحه من تسريع غير مسبوق في تقديم الخدمات الإدارية، واستخراج الوثائق، ومعالجة الملفات التي تتطلب تبادل المعلومات بين مختلف الإدارات،من دون إلزام المواطن بالتنقل أو إعادة تقديم وثائق تمتلكها هيئات أخرى.
كما سيعزز حماية المعطيات الشخصية عبر توطينها داخل الجزائر وفق معايير دولية للأمن السيبراني، ويوفر بنية تحتية متطورة للمؤسسات الناشئة والشركات والمؤسسات الاقتصادية والإعلامية لاستضافة منصاتها محليا بدل اللجوء إلى مراكز بيانات أجنبية، على غرار “أمازون”، مثلا، التي تتجه لها معظم المؤسسات الناشئة حاليا، ما يحد من تحويل العملة الصعبة إلى الخارج، ويكرس السيادة الرقمية، ويمهّد مستقبلا لتحويل الجزائر إلى وجهة إقليمية لاستضافة البيانات واستقطاب استثمارات بالعملة الصعبة.
وفي السياق، أكد خبير المعلوماتية والتكنولوجيات، يونس قرار، في تصريح لـ”الشروق”، أن دخول المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية حيز الخدمة يمثل نقطة تحوّل حقيقية في مسار التحوّل الرقمي بالجزائر، لما سيوفره من خدمات إلكترونية أكثر سرعة وفعالية، مع ضمان أعلى مستويات حماية للمعطيات الشخصية للمواطنين، ووضع حد لتشتت المنصات الرقمية بين مختلف القطاعات.
وأوضح قرار أن المواطن سيكون أول المستفيدين من هذا المشروع، حيث سيلاحظ سرعة أكبر في معالجة الملفات والرد على الطلبات واستخراج الوثائق، لأن مختلف المنصات الحكومية ستصبح قادرة على تبادل البيانات فيما بينها بشكل آني، من دون الحاجة إلى تنقل المواطن بين الإدارات أو إعادة تقديم وثائق موجودة أصلا لدى قطاعات أخرى.
وأضاف أن الجزائر كانت خلال السنوات الماضية تعيش وضعا تتولى فيه كل وزارة أو هيئة تطوير خدماتها الإلكترونية بشكل منفصل، حسب الإمكانات المالية والتقنية والكفاءات المتوفرة لديها، وهو ما أدى إلى تفاوت كبير في مستوى الرقمنة، وفي احترام المعايير الدولية المتعلقة بجودة التجهيزات والتطبيقات، وأمن المعلومات، وحماية البيانات.
وأشار إلى أن هذا التشتت كان يعرقل تطوير الخدمات الرقمية، لأن أي منصة إلكترونية تحتاج غالبا إلى بيانات موجودة لدى قطاع آخر، فإذا لم يكن ذلك القطاع متقدما في الرقمنة، تضطر الإدارة إلى العودة إلى الوثائق الورقية وإلزام المواطن بالتنقل، وهو ما كان يفقد الخدمات الإلكترونية فعاليتها.
وأكد المتحدث أن توطين مختلف المنصات الحكومية داخل مركز بيانات وطني موحّد، صمّم وفق المعايير الدولية، سيقضي على هذه الإشكالات، لأن جميع قواعد البيانات ستكون موجودة في بيئة تقنية واحدة، وبشبكات اتصال موحدة، وبنفس مستويات الجاهزية والحماية، وهو ما يرفع سرعة تبادل المعلومات ويختصر آجال معالجة الملفات.
حماية المعطيات الشخصية بتخزينها داخل الجزائر وفق معايير دولية
وأضاف أن المركز يوفّر أيضا ضمانات قوية لحماية المعطيات الشخصية، ويطمئن المواطنين إلى أن بياناتهم أصبحت مخزّنة داخل الجزائر، وليس في مراكز بيانات أجنبية، مع تطبيق معايير عالمية في الأمن السيبراني وحماية التجهيزات والتطبيقات واستمرارية الخدمة.
وأوضح قرار أن المركز الوطني سيزيل كذلك الفوارق التقنية التي كانت موجودة بين مراكز البيانات القطاعية، حيث كانت كل إدارة تعتمد تجهيزات وتقنيات مختلفة، الأمر الذي كان يفرض تطوير حلول تقنية معقدة لترجمة وربط قواعد البيانات فيما بينها، بينما أصبحت مختلف المنصات اليوم تعمل في بيئة موحدة، ما يزيد من سرعة الاستجابة وجودة الخدمات الإلكترونية.
وأضاف أن المشروع سيضع حدا أيضا لأي مبرر يتعلق بنقص الإمكانات التقنية، إذ ستصبح مختلف الوزارات مطالبة بتطوير تطبيقاتها وإيوائها داخل المركز الوطني، بعد تنظيم قواعد بياناتها ونقلها إليه.
وفي السياق ذاته، أكد الخبير أن المؤسسات الناشئة ستكون من أكبر المستفيدين من هذا الإنجاز، بعدما كانت تضطر إلى استضافة تطبيقاتها ومنصاتها لدى شركات أجنبية مثل “أمازون” وغيرها، بما يترتب عن ذلك من دفع تكاليف بالعملة الصعبة وخروج البيانات إلى الخارج. أما اليوم، فأصبح بإمكانها توطين تطبيقاتها داخل الجزائر، مع تسديد تكاليف الاستضافة بالدينار الجزائري، والاستفادة من بيئة أكثر أمانا.
وأضاف أن الاستفادة لن تقتصر على المؤسسات الناشئة، بل تشمل أيضا المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام والمؤسسات الاقتصادية التي كانت تستضيف مواقعها خارج الوطن، وهو ما سيقلّص فاتورة العملة الصعبة، ويحافظ على البيانات داخل الجزائر.
واعتبر قرار أن نجاح هذا المركز وبلوغه مستويات عالمية من الجودة قد يحوّل الجزائر مستقبلا إلى وجهة لاستضافة بيانات مؤسسات أجنبية، بما يسمح باستقطاب استثمارات جديدة وتوفير مداخيل بالعملة الصعبة.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن هذا المشروع، رغم أهميته، ينبغي أن يكون بداية لمسار أشمل، من خلال إنشاء ثلاثة أو أربعة مراكز بيانات وطنية أخرى بالمواصفات نفسها، مع توزيعها جغرافيا وتزويدها بأعلى وسائل الحماية، حتى يتم تقاسم الضغط بينها وضمان استمرارية الخدمات في حال تعرض أحد المراكز لأي أعطال أو هجمات سيبرانية، بما يعزز الأمن الرقمي والسيادة الرقمية للجزائر.